تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
للطبيعة كالآلات والأدوات للصانع الفاعل ، يفعل بها وفيها أفعالا مختلفة ، وأعمالا مقنّنة بعضها ببعض ، كالنّجّار الذي يفعل النّشر بالمنشار ، ويعمل النحت بالفأس ، والثقب بالمثقب ، والكشء « 1 » بالأرندج « 2 » ، ويبرد بالمبرد ، والفاعل واحد والأفعال مختلفة بحسب الآلات والأدوات ، والأغراض المقصودة . وهذه القوة الفاعلة المتقدّم ذكرها هي التي يسمّيها الأطباء والفلاسفة الطبيعة ، ويسميها الناموس ملائكة . والطبيب هو خادم الطبيعة يناولها ما تحتاج إليه في وقت الحاجة ، كما يناول التّلميذ الأستاذ أدواته وقت حاجته ويخدمه بها .

فصل

واعلم يا أخي أن هذه النفوس الجزئيّة المتجسدة الخادمة للنفس الكلّيّة ، إذا أحسنت في خدمتها للنفس الكلّيّة وطلبت الأجر والجزاء من اللّه ، فلها منزلة جليلة عند اللّه ، وكرامة ومكافأة بعد مفارقتها هياكلها ، سواء كانت خدمتها في إصلاح أمر الدين أو الدنيا ، فإنه لا يذهب لها عند اللّه شيء ، إذا كانت محتسبة لوجه اللّه تعالى ، وطالبة لما عنده من الوجه المقصود منه إليه ، فلا يفوتها نصيبها من الدنيا كما ذكر برزويه الطبيب في كتاب كليلة ودمنة أن الزّرّاع لم يزرع طلبا للعشب بل للحبّ ، ولا بدّ للعشب أن ينبت إن شاء الزرّاع أو لم يشأ ، كذلك طالب الأجر والجزاء من اللّه تعالى لا يفوته نصيبه من الدنيا وما قسم له ، ما أراده أو لم يرد ، كره أو رضي ، زهد أو رغب ، طلب أو لم يطلب ، وتصديق هذا الرأي قول اللّه تعالى : «
ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ ،
هامش
( 1 ) الكشء : القشر ، بفتح القاف . ( 2 ) الأرندج : سواد يصبغ به أو هو الزاج .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 124 | إخوان الصفاء