قد بيّنا في رسالة المبادي العقلية ما هذه العلل في حدوث العالم وكونه ، فاعرفها من هناك .
وإذ قد ذكرنا طرفا من كيفيّة تكوين المعادن ، فنذكر الآن طرفا من أنواع جوهرها وخواصّ أنواعها ، وما ذكره الحكماء ، فنبدأ بذكر أشرفها الذي هو الذهب والياقوت ثم سائر ما يتلوهما نوعا فنوعا ، فأما الذّهب فهو جوهر معتدل الطبائع ، صحيح المزاج ، نفسه متّحدة بروحه ، وروحه متّحدة بجسده ، ونعني بالنفس الأجزاء الهوائية ، وبالروح الأجزاء المائية ، وبالجسد الأجزاء الترابية . ولكن لشدة اتحاد أجزائه وممازجتها لا يحترق بالنار ، لأن النار لا تقدر على تفريق أجزائه ، وهو لا يبلى في التراب ولا يصدأ على طول الزمان ، ولا تغيّره الآفات العارضة ، وهو جسم ليّن المعمز ، أصفر اللون ، حلو الطّعم ، طيّب الرائحة ، ثقيل رزين ، صفرة لونه ناريّته . وصفاؤه وبريقه من هوائيّته ، ولينه من دهنيّته ، ورطوبته وثقله ورزانته من ترابيّته . لأن كبريته كان نقيّا ، وزئبقه كان صافيا ، ومزاجه كان معتدلا ، وحرارة المعدن طبخته على طول الزمان برفق واعتدال . فإذا أصابته حرارة النار ذابت رطوبته ، ودارت حول جسده ، ورطوبته تقابل حرارة النار وتدفع عن جسده إحراقها ، وإذا خرجت من النار جمدت تلك الرطوبة . وإذا طرق امتدّ تحت المطارق حارّا أو باردا ، واتّسع في الجهات ورقّ وامتدّ ، ويفتل منه كالخيوط ، ويقبل جميع الأشكال من الأواني والحلى ، وهو يخالط الفضة والنّحاس في السّبك ، وينفصل عنهما إذا طرح عليه المرقشيثا « 1 » الذهبي ، لأنه جنس من الكبريت يحرق غيره ولا يحترق . وإذا سحق منه وأدخل في أدوية العين نفع ، وإذا
هامش
( 1 ) المرقشيثا : من المعادن التي تدق وتصنع منها الأودية ، ذكر ابن العطّار في منهاج الدكان أنه يستعمل مع الكحل وغيره لمداواة العين وجلاء الغشاوة عنها .