دفع المضارّ بها ، وإنما احتاج العلماء والعقلاء إلى الاستدلال بالشاهد على الغائب ، وقياس الجزء على الكلّ ، على أن العالم محدث عند حيرة عقولهم ، فإذا فكّروا في حدثه وكونه بعد أن لم يكن ، وبحثوا عن تلك العلّة الداعية للصانع إلى الفعل إن لم يكن فعل وهي العلّة التي تسمّى العلة التماميّة التي من أجلها يفعل الفاعل فعله .
ولما فكّر كثير من العقلاء في هذه العلة ، وبحثوا عنها لم يعرفوها .
وهكذا أيضا لما فكروا في أمر الفاعل متى فعل ، وفي أيّ زمان عمل ، وفي أيّ مكان ، لم يعرفوها ولم يتصوروا ذلك ، وأيضا لما فكروا وطلبوا أنه من أيّ شيء عمله ، وكيف صوّره ، وأين كانت رجل البركار لما شكّل أكر الأفلاك ، ودوّر الكواكب ، وما شاكل هذه المباحث والتفكّر في أشياء ليس في طاقة الإنسان معرفتها ، ولا في قوة نفسه تصوّرها ، فعند ذلك دعاهم جهلهم وحيرتهم وشكوكهم إلى القول بقدم العالم وأزليّته بغير علم ولا بيان ، إلّا أوهام كاذبة وتخييلات باطلة وتمويهات مموّهة ، وقد علم اللّه تعالى قبل أن خلقهم أنه تعرض لهم هذه الشكوك والحيرة ، فأزاح عللهم بأن أراهم أشياء لا يشكّون فيها ولا في كونها ولا في حقيقتها ، لتكون مثالا لهم وقياسا على ما لا يشهدونه ويتصوّرونه في حدوث العالم وصفته ، وهي هذه الكائنات الفاسدات من النبات والمعادن والحيوان ، وجعل أيضا مركوزا في جبلة العقول أن الصنعة المتقنة لا تكون إلّا من صانع قدير ، وجعل أيضا أثر الصنعة باقيا في المصنوع يشاهدونها ليلهم ونهارهم من دوران هذه الأفلاك حول المركز ، وسير الكواكب فيها ، وتعاقب الليل والنهار والشتاء والصيف على الأركان الأربعة ، والتغييرات والاستحالة ، وتكوين الكائنات الفاسدات ، كلّ هذه دلالة للعقول وشواهد للنفوس على حدوث العالم وتكوينه بعد أن لم يكن ، إذ لم يوجد في جميع هذه الكائنات الجزئيّة شيء خال من علّة فاعليّة ، وعلة هيولانية ، وعلة صوريّة ، وعلة تماميّة . ونحن
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 115
مساهمون: إخوان الصفاء
ص١١٥