فصل
واعلم أن لهذه الجواهر المعدنيّة خواصّ غريبة ، وخلقها وتكوينها عجيب جدّا ، فإذا فكّر العاقل في لطيف صنع الباري ، جلّ جلاله ، وإتقان حكمته فيها ، يبقى متعجبا باهتا ، ويزداد بربه معرفة ويقينا ، وخاصة إذا فكّر في خلقة الدّرّة وتكوينها ، وذلك أن هذه الجوهرة إنما هي ماء ورطوبة هوائيّة عذبة ، ودهنيّة جامدة ، منعقدة بين صدفين ، كأنهما خزفتان منطبقتان ، ظاهرهما خشن وسخ ، وباطنهما أملس نقيّ أبيض ، في جوفها حيوان كأنه قطعة لحم ، خلقته خلقة الرّحم ، مسكنه في قعر البحر المالح ، وهو قد ضمّ ذينك الصّدفين على نفسه من جانبيه ، كما يضمّ الطائر جناحيه عند السكون عن الطيران ، مخافة أن يدخل فيه ماء البحر المالح ، حتى إذا أحسّ بسكون البحر عن الاضطراب في أمواجه ، ارتقى من قعره إلى أعلى سطحه بالليل ، في وقت من الزمان معلوم مخصوص عنده ، وفتح تلك الصدفتين كما تفتح فراخ الطير أفواهها عند زقّ الطائر لها ، وكما يفتح فم الرّحم عند الجماع ، فيرشح في جوفه من ندى الهواء ورطوبة الجو ، وتجتمع فيه قطرات من الماء العذب من ذلك الصقيع الذي يقع بالليل على النّبت والحشيش . فإذا اكتفى ضمّ تينك الصدفتين على نفسه ضمّا شديدا ، مخافة أن يرشح فيه ماء البحر المالح ، فتفسد تلك الرطوبة العذبة بما يخالطها من ملوحته ، وينزل برفق إلى قرار البحور ، فيسكن هناك زمانا ، فإذا طال الزمان على تلك الرطوبة العذبة ، غلظت وثقلت وصارت في قوام الزئبق ، وتدحرجت في جوفه بحركته ، فيصير حبّات مستديرات ، كما يصير الزّئبق إذا تبدّد وتدحرج . ثم على ممرّ الزمان تجمد وتنعقد وتصير درّا صغارا وكبارا ، ذلك تقدير العزيز العليم .