فصل
واعلم يا أخي ، إذا تأملت المحسوسات ، وتصفّحت الموجودات ، وبحثت عن الكائنات التي دون فلك القمر ، وجدت أصغرها جسدا ، وأضعفها خلقة أشرفها جوهرا وأجلّها قدرا وأعمّها نفعا .
وانظر إلى هذه الثلاثة التي هي الدّرّة والديباج والعسل ، وتأملها تجدها عند الناس أجلّ الأشياء قدرا ، وأنعمها لبسا ، وأطيبها ذوقا ، أعني هذه الثلاثة ، فإذا تأمّلت ما ذكر من خلقة هذا الحيوان ، تبيّنت أنه أحقر حيوانات البحر وأضعفها ، وكما ترى النحل أضعف الطيور بنية ، وأصغرها جثّة ، وهكذا دود القزّ تراه أصغر الحيوان جثّة .
فصل
واعلم أن اللّه ، جلّ ثناؤه ، خلق هذه الأشياء المعدنية منافع للحيوان وخاصّة للناس ، وجعلهم محتاجين إليها ، متصرّفين فيها ، متنعمين بها إلى حين ، لكيما يتفكّر العقلاء في كونها وخلقها وصنعها ، فتكون قياسا لهم ، فيعلمون أن العالم أيضا محدث مصنوع كائن بعد أن لم يكن ، وإن كان كبير الجثّة عظيم الخلقة ، طويل العمر ، كبير القباء « 1 » ، لا يدري العلماء الحكماء على التحقيق أنه متى كان ولا متى يفسد ، ويعلمون أنّ له خالقا خلقه وأوجده وصوّره ، وركّب أفلاكه وأدارها ، وأجرى كواكبه وسيّرها ، ومدّ شعاعها نحو المركز ، ومزج الأركان ، وزوّج الطبائع ، وأولد منها الكائنات الفاسدات التي هي الحيوان والنبات والمعادن ، وسخّرها للإنسان ، وملّكه عليها يتصرّف فيها كيف يشاء ، ويحكم عليها بما يريد بالانتفاع منها أو
هامش
( 1 ) القباء : المقدار .