فقال : قد قضيت حوائجي ، وأريد الرجوع ، وصحبتك عندي آثر من صحبة غيرك .
فقلت : على اسم اللّه .
وما زلت متحرّزا منه ، وهو يجتهد أن أدنو منه ، وأوانسه ، فلا أفعل ، وكلّما دنا منّي ، بعدت عنه ، إلى أن سرنا شيئا كثيرا ، وليس معنا ثالث .
فقصّر عني ، فحثثت الحمار ، لأفوته ، فما أحسست إلّا بركضه ، فالتفتّ ، فإذا هو قد جرّد سيفه ، وقصدني ، فرميت بنفسي عن الحمار ، وعدوت .
فلمّا خاف أن أفوته ، صاح : يا أبا القاسم ، إنّما مزحت معك ، فقف ، فلم ألتفت إليه ، وزاد في التحريك .
وظهر لي ناووس « 5 » فطلبته ، وقد كاد الأعرابي يلحق بي ، فدخلت الناووس ، ووقفت وراء بابه .
قال : ومن صفات تلك النواويس أنّها مبنيّة بالحجارة ، وباب كلّ ناووس حجر واحد عظيم ، قد نقر ، وحفّف « 6 » ، وملّس ، فلا تستمكن اليد منه ، وله في وجهه حلقة ، وليس للباب من داخل شيء تتعلّق اليد به ، وإنّما يدفع من خارجه ، فيفتح ، فيدخل إليه ، وإذا خرج منه ، وجذبت الحلقة ، انغلق الباب ، وتمكّن هذا من ورائه ، فلم يمكن فتحه من داخل أصلا .
قال : فحين دخلت الناووس ، وقفت خلف بابه ، وجاء الأعرابي ، فشدّ الدابّة في حلقة الباب ، ودخل [ 204 م ] يريدني ، مخترطا سيفه ، والناووس مظلم ، فلم يرني ، ومشى إلى صدر الناووس ، فخرجت أنا من خلف الباب ، وجذبته ، ونفرت الدابّة ، فجذبته معي ، حتى صار الباب مردوما محكما ،
هامش
( 5 ) الناووس : موضع ينقر في الصخر ليكون مدفنا للموتى .
( 6 ) الحفّ : وما زال هذا اسمه في بغداد ، حذف الشعر عن الوجه باستعمال الخيط ، فإذا تمّ بالموسى فهو حلق ، وإذا تقر الصخر وملّس ، قيل فيه : حفّف أيضا ، راجع حاشية القصّة 389 من هذا الكتاب .