وبرك أخوه الفقير على صدره ، وكان في وسطه سكّين عظيمة ، في قراب لها ، فرام استخراجها من القراب ليذبحه بها ، فتعسّرت عليه ، فقام عن صدر أخيه ، وأعلا يده اليسرى ، وفيها السكّين في قرابها ، وجذبها بيده اليمين ، وقد صار القراب مع حلقه ، فخرجت السكّين بحميّة الجذبة ، فذبحته ، فوقع يخور في دمه ، ونزف إلى أن مات ، وجفّت يده على السكّين بعد موته ، وهي فيها .
وحصل على تلك الصورة ، وأخوه الغني مشدود ، لا يقدر على الحركة ، والسفرة منشورة ، والطعام عليها ، والدوابّ مشدودة .
فأقام على تلك الصورة بقيّة يومه ، وليلته ، وقطعة من غده .
فاجتازت قافلة على المحجّة ، وكان بينها وبين الكهف بعد ، فأحسّت البغال بالدوابّ المجتازة ، فصهلت ، [ 203 م ، 197 ر ] ونهق الحمار ، وجذب الرسن ، وجذبت البغال أرسانها ، فأفلتت ، وغارت « 4 » تطلب الدوابّ .
فلمّا رأى أهل القافلة ، دوابّا غائرة ، ظنّوا أنّها لقوم قد أسرهم اللصوص ، وكانوا في منعة ، فتسارعوا إلى البغال .
فلمّا قصدوها ، رجعت تطلب موضعها .
وتبعها قوم من أهل القافلة ، حتى انتهوا إلى التاجر ، وشاهدوه مكتوفا ، والسفرة منشورة ، والأخ مذبوحا ، وبيده السكّين [ 203 غ ] ، فشاهدوا عجبا .
واستنطقوا الرجل ، فأومأ إليهم أنّ لا قدرة له على الكلام ، فحلّوا كتافه ، وسقوه ماء ، وأقاموا عليه إلى أن أفاق ، وقدر على الكلام ، فأخبرهم الخبر .
فطلبوا المكاري « 5 » ، فوجدوه غريقا في الماء ، قد غرّقه الأخ الفقير .
فحملوا أثقال التاجر على بغاله ، وأركبوه [ 29 ن ] على حماره ، وسيّروه معهم إلى المنزل الآخر .
هامش
( 4 ) غار : تعبير بغدادي ، بمعنى : ركض مسرعا .
( 5 ) المكاري ، بضم الميم : الذي يكري الدوابّ .