وقال : ما ترون في أمره ؟
فقال بعضهم : يضرب عنقه .
وقال البعض : تقطع أطرافه ، ويترك إلى أن يموت ، وكلّ أشار بقتله ، وإن اختلفوا في القتلة .
فقال المأمون ، لأحمد بن أبي خالد : ما تقول أنت يا أحمد ؟
فقال : يا أمير المؤمنين ، إن قتلته ، وجدت مثلك قد قتل مثله ، وإن عفوت عنه ، لم تجد مثلك قد عفا عن مثله ، فأيّ أحبّ إليك ، أن تفعل فعلا تجد لك فيه شريكا ، أو أن تنفرد بالفضل ؟
فأطرق المأمون طويلا ، ثم رفع رأسه ، فقال : أعد عليّ ما قلت يا أحمد ، فأعاد .
فقال المأمون : بل ننفرد بالفضل ، ولا رأي لنا في الشركة .
فكشف إبراهيم المقنعة [ 197 م ] عن رأسه ، وكبّر تكبيرة عالية ، وقال :
عفا - واللّه - أمير المؤمنين عنّي ، بصوت كاد الإيوان أن يتزعزع منه ، وكان طويلا ، آدم ، جعد الشعر ، جهوريّ الصوت .
فقال له المأمون : لا بأس عليك يا عمّ « 7 » ، وأمر بحبسه في دار أحمد بن أبي خالد .
فلمّا كان بعد شهر ، أحضره المأمون ، وقال له : اعتذر عن ذنبك .
فقال : يا أمير المؤمنين ، ذنبي أجلّ من أن أتفوّه معه بعذر ، وعفو أمير المؤمنين ، أعظم من أن أنطق معه بشكر ، ولكنّي أقول :
هامش
( 7 ) قال أبو العيناء : سمعت إبراهيم بن المهدي ، يقول - وذكر عفو المأمون عنه - ، فقال : واللّه ما عفا عنّي تقرّبا إلى اللّه ، ولا صلة للرحم ، ولكن قامت له سوق في العفو ، فكره أن تكسد بقتلي ، قال :
فذكرت هذا الحديث لأبي يعقوب سليمان بن جعفر ، فقال : ما أكفره ، أمّا المأمون ، فقد فاز بحظّها ، كفر من كفر ، وشكر من شكر ( البصائر والذخائر م 3 ق 1 ص 62 ) .