وأدخل إبراهيم بزيّه ، فسلّم على المأمون ، وقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ وليّ الثأر محكّم في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، ومن تناولته يد الاغترار ، بما مدّ له من أسباب الرجاء ، لم يأمن عادية الدهر ، [ ولست أخلو عندك من [ 193 غ ] أن أكون عاقلا أو جاهلا ، فإن كنت جاهلا فقد سقط عنّي اللوم من اللّه تعالى ، وإن كنت عاقلا ، فيجب أن تعلم أن اللّه عزّ وجلّ ] « 4 » ، قد جعلك فوق كلّ ذي عفو ، كما جعل كل ذي ذنب دوني « 5 » ، فإن تؤاخذ ، فبحقّك ، وإن تعف ، فبفضلك ، ثم قال :
ذنبي إليك عظيم * وأنت أعظم منه
فخذ بحقّك أو لا * فاصفح بحلمك عنه
إن لم أكن في فعالي * من الكرام فكنه
وقال :
أذنبت ذنبا عظيما * وأنت للعفو أهل
فإن عفوت فمنّ * وإن جزيت فعدل
قال : فرقّ له المأمون ، وأقبل على أخيه أبي إسحاق وابنه العبّاس « 6 » والقوّاد ،
هامش
- أثيرا جدّا لدى المأمون بحيث أنّه توسّط أمر إبراهيم الصولي ، وأحسبه لا يخرج عن جملة هؤلاء الخطباء ، ولم يرد لخطباء من هذا النوع ذكر في أيّام الأمويّين .
( 4 ) الزيادة من غ ، وقد وردت هذه الجملة مكرّرة في موضعين .
( 5 ) أورد صاحب العيون والحدائق 3 / 366 ، قول إبراهيم ، كما يلي : يا أمير المؤمنين ، وليّ الثأر محكّم في القصاص ، والعفو أقرب للتقوى ، ومن تناوله الاغترار بما مدّ له من أسباب الشقاء ، أمكن عادية الدهر من نفسه ، وقد جعلك اللّه فوق كلّ ذي ذنب ، كما جعل كلّ ذي ذنب دونك ، فإن تعاقب فبحقك ، وان تعف فبفضلك .
( 6 ) أبو إسحاق محمد المعتصم بن أبي جعفر هارون الرشيد ، ترجمته في حاشية القصّة 17 من هذا الكتاب ، والعبّاس بن المأمون ، ترجمته في حاشية القصّة 120 من هذا الكتاب .