فقال لي : يا هذا ، ما الذي يتهيّأ لي أن أعمل ، وهل يمكنني دفع شيء يأمرني به ؟
فقلت : لا ، وإنّي أريد أن أحقن دمي ، بأن تؤدّي عنّي ما تسمعه منّي ، وإنّما تقتلني ، إذا أجبته بجواب ، فأدّيت عنّي غيره ، تقديرا منك ، أنّه أصلح وأدعى إلى ملامتي ، فلا يتلقّى قولك بالقبول ، فأدّ قولي كما أقول .
فقال أحمد بن أبي خالد : عليّ عهد اللّه ، أن أؤدّي ما تقول .
قال : فقلت ، تقول له : يا أمير المؤمنين إن كنت تعقل ، فأنت تعلم أنّي أعقل ، فما أشكّ [ 192 غ ] أنّه سيستعيد منك هذا القول ، فأعده .
وتقول له : يقول لك : يا أمير المؤمنين استترت منك ، وأنت خارج عن البلد ، وأنا نافذ الأمر فيه ، ومعي عالم من الناس ، وأثب بك في مدينتك ، ومدينة آبائك ، وأنا أسير في سرب « 8 » ابن أبي خالد ، مع نفر محبّسين ، مثقلين بالحديد ؟
هذا ما لا يقبله عاقل .
فأدّى أحمد رسالته إلى المأمون ، فقال : صدق ، فاردده إلى موضعه .
فركض أحمد إليّ ، وهو ينادي : سلامة سلامة ، والحمد للّه رب العالمين ، وانصرف إلى منزله .
قال ابن عبدوس : فأقام فيه ، إلى أن انصرف المأمون ، لنكاح بوران « 9 » ، فأشخصه معه إلى فم الصلح ، وسألته بوران بنت الحسن بن سهل ، فرضي عنه « 10 » .
هامش
( 8 ) السرب ، بفتح السين والراء : الحفير تحت الأرض .
( 9 ) بوران : اسمها خديجة ، بنت الحسن بن سهل ( 191 - 271 ) زوجة المأمون العبّاسي ، من أكمل النساء أدبا وأخلاقا ، ليس في تاريخ العرب زفاف أنفق فيه ما أنفق في زفافها على المأمون ( الأعلام 2 / 56 ) ، وتنسب إليها أصناف من الطعام منها ما ورد في كتاب الطبيخ للبغداديّ ، عن طعام اسمه بوران ( ص 38 ) وعن طعام اسمه بورانيّة ( ص 40 ) وآخر اسمه بورانيّة بالقرع ( ص 43 ) ، وفي بغداد الآن طعام اسمه بورانية ، وهي أن يقطّع الباذنجان أقراصا ، ويقلى بالزيت ، ويصب عليه اللّبن الرائب مخلوطا بالثوم .
( 10 ) لا توجد هذه القصّة في ر .