تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرج بعد الشدة — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
فأرشدت الذي طلب الداية إلى أمّ هذا ، فحملت إلى دار الرشيد [ 190 م ] ، فحين وضع فمّ الصبيّ على ثديها ، قبله ، فأرضعته ، وكان الصبيّ المأمون ، وصارت عندهم في حال جليلة ، ووصل إليها منهم خير كثير . ثم خرج المأمون إلى خراسان ، وخرجت هذه المرأة وابنها هذا معها ، ولم نعرف أخبارهم إلّا منذ قريب ، لما عاد المأمون ، وعادت حاشيته ، رأينا هذا قد صار رجلا ، ولم أكن رأيته قبل قط ، وقد كان أبي مات . فقالوا : هذا ابن فلان الصيرفي ، وابن داية الخليفة المأمون ، فبنى هذه الدار وسوّاها . فقلت : فعندك علم من أمّه أهي حيّة أم ميتة ؟ قال : هي حيّة ، تمضي إلى دار الخليفة أيّاما ، وتكون عند ابنها أيّاما هنا . فحمدت اللّه تعالى على هذه الحال ، وجئت ، حتى دخلت الدار مع الناس ، فرأيت الصحن في نهاية العمارة والحسن ، وفيه مجلس كبير مفروش بفرش فاخرة ، وفي صدره رجل شابّ بين يديه كتّاب وجهابذة « 7 » ، [ 187 ر ] وحساب يستوفيه عليهم ، وفي صفاف الدار وبعض مجالسها ، جهابذة بين أيديهم الأموال والتخوت « 8 » والشواهين « 9 » [ 185 غ ] ، يقبضون ويقبضون ، وبصرت بالفتى ، فرأيت شبهي فيه ، فعلمت أنّه ابني ، فجلست في غمار الناس ، إلى أن لم يبق في المجلس غيري ، فأقبل عليّ . فقال : يا شيخ ، هل من حاجة تقولها ؟ فقلت : نعم ، ولكنّه أمر لا يجوز أن يسمعه غيرك .
هامش
( 7 ) الجهابذة ، مفردها : جهبذ : الكاتب المختصّ بتحصيل الأموال ، وكتابة الإيصالات بها ، وتدوينها في السجلات ، وإثبات ما ينفق منها ( لسان العرب ) . ( 8 ) التخت : علبة من الخشب ، يحفظ فيها الطيار وهو الميزان الذي توزن به الأشياء الدقيقة كالذهب . ( 9 ) الشاهين : لسان الميزان ، فارسيّة ويصرف إلى الميزان أيضا .