فسكّنته وطرحت عليه قميصا ومنديلا ، وأمرت له بدراهم [ وشمشك ] « 4 » ، فشكرني .
فقلت : لا بدّ أن تحدّثني بحديثك .
فقال : أنا رجل كانت للّه عزّ وجلّ عليّ نعمة جليلة ، وكنت صيرفيّا ، فابتعت جارية بخمسمائة دينار ، فعشقتها عشقا عظيما ، وكنت لا أقدر أن أفارقها ساعة واحدة ، فإذا خرجت إلى الدكّان ، أخذني كالجنون والهيمان « 5 » ، حتى أعود فأجلس معها يومي كلّه .
فدام ذلك حتى تعطّل دكّاني ، وتعطّل كسبي ، وأقبلت أنفق من رأس المال ، حتى لم يبق منه قليل ولا كثير ، وأنا مع ذلك لا أطيق أن أفارقها .
فحبلت الجارية ، وأقبلت أنقض داري ، وأبيع نقضها ، حتى فرغت من ذلك ، فلم تبق لي حيلة .
فضربها الطّلق ، فقالت : يا هذا ، هو ذا أموت ، فاحتل فيما تبتاع به عسلا ، ودقيقا ، وشيرجا « 6 » ، ولحما ، وإلّا متّ .
فبكيت ، وحزنت ، وخرجت على وجهي ، وجئت لأغرق نفسي في دجلة ، فذكرت حلاوة النفس ، وخوف العقاب في الآخرة ، فامتنعت .
ثم [ 189 م ] خرجت هائما على وجهي إلى النهروان ، وما زلت أمشي من قرية إلى قرية ، حتى بلغت خراسان ، فصادفت بها من عرفني ، وتصرّفت في ضياعه ، ورزقني اللّه عزّ وجلّ مالا عظيما ، فأثريت ، واتّسعت حالي ، ومكثت
هامش
( 4 ) الشمشمك ، الصندل ، وهو الحذاء الذي يلبس داخل الدار ، والكلمة فارسيّة : شم ، بضم الميم ، بمعنى الصندل ، راجع معجم الملابس لدوزي 231 .
( 5 ) الهيام ، والهيمان : في الأصل ، داء كالجنون يصيب الإبل من شدّة العطش ثم أطلق على من اشتدّ به العشق ، يقال : هام هيما ، وهيوما ، وهياما ، وهيمانا ، وتهياما .
( 6 ) الشيرج : راجع حاشية القصّة 329 من هذا الكتاب .