طويل مملول ، وو اللّه ، لقد استطال الناس ، الذين هم خير الناس ، أيّام عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وما رأوا مثلها عدلا ، وأمنا ، وسعة أموال ، وفتوح ، وأيّام عثمان رضي اللّه عنه ، حتى قتلوهما ، ورأى الرشيد - مع ذلك - أنس النعمة بهم ، وكثرة حمد الناس لهم ، ورميهم بآمالهم دونه ، والملوك تتنافس بأقلّ من هذا ، فتعنّت عليهم ، وتجنّى ، وطلب مساويهم ، ووقع منهم بعض الإدلال ، خاصّة جعفر والفضل ، دون يحيى ، فإنّه كان أحكم خبرة ، وأكثر ممارسة للأمور ، ولاذ من إعدائهم قوم بالرشيد ، كالفضل بن الربيع ، وغيره ، فستروا المحاسن ، وأظهروا القبائح ، حتى كان ما كان .
ويؤيّد هذا الرأي ، ما روي عن هارون الرشيد أنّه قال : إنّ الدالّة تفسد الحرمة ، وتنقص الذمّة ، ومنها أتي البرامكة ( كتاب الآداب لمجد الملك جعفر بن شمس الخلافة ص 20 ) .
وقد ذهب المؤرخ ابن خلدون ، إلى هذا الرأي ، قال : إنّما نكب البرامكة ما كان من استبدادهم على الدولة ، واحتجانهم أموال الجباية ، حتى كان الرشيد يطلب اليسير من المال فلا يصل إليه ، فغلبوه على أمره ، وشاركوه في سلطانه ، ولم يكن له معهم تصرّف في أمور ملكه ، فعظمت آثارهم ، وبعد صيتهم ، وعمروا مراتب الدولة وخططها ، بالرؤساء من ولدهم وصنائعهم ، واحتازوها عمّن سواهم ، من وزارة ، وكتابة ، وقيادة ، وحجابة ، وسيف ، وقلم ، ويقال إنّه كان بدار الرشيد ، من ولد يحيى بن خالد ، خمسة وعشرون رئيسا ، من بين صاحب سيف وصاحب قلم ، زاحموا فيها أهل الدولة بالمناكب ، ودفعوهم عنها بالراح ، لمكان أبيهم يحيى من كفالة هارون ، وليّ عهد ، وخليفة ، حتى شبّ في حجره ، ودرج من عشّه ، وغلب على أمره ، وكان يدعوه : يا أبت ، فتوجّه الإيثار من السلطان إليهم ، وعظمت الدالّة منهم ، وانبسط الجاه عندهم ، وانصرفت نحوهم الوجوه ، وخضعت لهم الرقاب ، وتخطت إليهم من أقصى التخوم ، هدايا الملوك ، وتحف الأمراء ، وسيّرت إلى خزائنهم ، في سبيل التزلّف والاستمالة ، أموال الجباية ، وأفاضوا في رجال الشيعة ( يريد شيعة بني العبّاس ) وعظماء القرابة ، العطاء ، وطوّقوهم المنن ، وكسبوا من بيوتات الأشراف ، المعدم ، وفكّوا العاني ، ومدحوا بما لم يمدح به خليفتهم ، وأسنوا لعفاتهم الجوائز والصلات ، واستولوا على القرى والضياع ، حتى آسفوا البطانة ، وأحقدوا الخاصة ، وأغصّوا أهل الولاية ( تاريخ ابن خلدون 1 / 13 و 14 ) .
وذكر صاحب الأغاني 18 / 303 : أنّ الرشيد ندم على قتله البرامكة ، وربما بكى عليهم في بعض المجالس .
الفرج بعد الشدة — صفحة 176
مساهمون: القاضي التنوخي
ص١٧٦