تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرج بعد الشدة — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
كأنّ أيّامهم من حسن بهجتها * مواسم الحجّ والأعياد والجمع
وأصبح جود البرامكة ، على تمادي الأيّام ، مضرب المثل ، قال الجمّاز : جاءنا فلان ، بمائدة ، كأنّها زمن البرامكة على العفاة ( زهر الأداب 2 / 3 والملح والنوادر 236 ) . والبغداديون ، إلى وقتنا هذا ، يذكرون البرامكة ، ويصفون الرجل الكريم النفس ، السخيّ اليد ، بأنّه : برمكي . وعمّت شهرة البرامكة بالجود ، جميع أنحاء الدنيا ، بحيث أنّ المقري في نفح الطيب 3 / 109 امتدح أحد أمراء الموحّدين بالأندلس ، فوصفه بأنّ « له حكايات في الجود برمكيّة » . وقد أنكر صاعد ، وزير الموفّق ، ما يذكر عن البرامكة ، وقال : هذه أقاصيص من صنع الورّاقين ، فقال له أبو العيناء : لم لا يكذب على الوزير - أعزّه اللّه - مثل هذا الكذب ، وهو حيّ ، يرجى ويخاف ، وأولئك موتى ، مأيوس من خيرهم وشرهم ، ( القصّة 1 / 1 من نشوار المحاضرة ) . وبالنظر لعدم وجود سبب واضح عن نكبتهم ، فقد خبط المؤرخون خبطا في الاستنتاج ، وذكر كلّ واحد منهم سببا ، أو أكثر من سبب ، فادّعى بعضهم أنّ السبب سياسي ، وأنّهم أرادوا قلب الدولة ، وقال بعضهم : أنّ ثمة سببا يتعلّق بزواج جعفر ، زواجا لم يرضه الخليفة ، وهذا كلّه لا أصل له ، فإنّ البرامكة ، لو أرادوا قلب الدولة ، لحاولوا ذلك عندما كانت خراسان في قبضتهم ، وأمّا قضية الزواج ، فهي أقصوصة لا تعلق بقبول ، ولا تدخل في معقول ، والذي يظهر للمتأمّل ، أنّ استئثار البرامكة بالحكم ، وانقياد الناس لهم ، ولهجتهم بالثناء عليهم ، والتعلّق بهم ، أثار غيرة الرشيد ، وأشعل نار هواجسه ، وصادف وجود دسّاسين ، من رجال الحاشية ، ممن يرغب في انتقال السلطة من البرامكة إليهم ، مثل الفضل بن الربيع ، وعلي بن عيسى بن ماهان ، وأحمد بن صبيح ، فتظافروا ، وأغروا الرشيد بهم ، فوجدوا منه أذنا سامعة ، وكانت الخيزران ، أمّ الرشيد ، حامية البرامكة ، قد توفيت في السنة 173 ، فلم يكد الرشيد يودعها قبرها ، حتى دعى الفضل ابن الربيع ، وأمره بأخذ الخاتم من جعفر ، وحلف له إنّه كان يهمّ بأن يولّيه ، فتمنعه أمّه ، فيطيع أمرها ( الطبري 8 / 238 ) . ولعلّ أصحّ ما ورد في هذا الباب ، ما ذكره ابن خلّكان في كتاب وفيات الأعيان 1 / 335 ، قال : سئل سعيد بن سالم عن جناية البرامكة الموجبة لغضب الرشيد ، فقال : واللّه ، ما كان منهم ما يوجب بعض ما عمل الرشيد بهم ، ولكن طالت أيّامهم ، وكلّ