فعل . فتحوّل عند ذلك عن سريره ومدّ يمينه إلى موسى عليه السلام ، فأخذ « 1 » بيمينه ، ثمّ ضمّه إلى صدره ، فاعتنقه وأقعده عن يمينه ، وقال : أشهد أنّك صادق ، وأبوك صادق ، وجدّك صادق ، ورسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم صادق . ولقد دخلت وأنا أشدّ النّاس عليك حنقاً « 2 » وغضباً لما رقي إليّ فيك ، فلمّا تكلّمت بما تكلّمت وصافحتني سرِّي عنِّي وتحوّل غضبي عليك رضا .
وسكت ساعة ، ثمّ قال له : أريد أن أسألك عن العبّاس وعليّ بما صار عليَّ أولى بميراث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم من العبّاس ، والعبّاس عمّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وصنو أبيه ؟ فقال له موسى عليه السلام : أعفني . قال : واللَّه « 3 » لا أعفيتك ، فأجبني . قال : فإن لم تعفني فآمنِّي ، قال : آمنتك .
قال موسى « 4 » عليه السلام : إنّ النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يورِّث من قدر على الهجرة ، فلم يهاجر ، إنّ أباك العبّاس آمن ولم يهاجر ، وإنّ عليّاً عليه السلام آمن وهاجر ، وقال اللَّه : « الّذِينَ آمَنُوا ولم يُهاجِرُوا ما لَكُم من ولايتهِم من شَيءٍ حتّى يُهاجِرُوا » « 5 » ، فالتمع لون هارون وتغيّر . وقال :
ما لكم لا تنسبون إلى عليّ وهو أبوكم ، وتنسبون إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وهو جدّكم ؟
فقال موسى عليه السلام : إنّ اللَّه نسب المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام إلى خليله إبراهيم عليه السلام بامِّه مريم البكر البتول الّتي لم يمسّها بشر في قوله : « ومِنْ ذُرِّيّتهِ داوودَ وسُليمانَ وأيُّوبَ ويُوسُفَ ومُوسى وهارُونَ ، وكذلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِين * وزكريّا ويَحْيى وعِيسى وإلياسَ كلّ من الصّالحين » « 6 » ، فنسبه بامِّه وحدها إلى خليله إبراهيم عليه السلام ، كما نسب داوود وسليمان وأيّوب « 7 » وموسى وهارون عليهم السلام بآبائهم وامّهاتهم فضيلة لعيسى عليه السلام ومنزلة رفيعة بامّه وحدها . وذلك قوله في قصّة مريم عليها السلام : « إنّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وطَهَّرَكِ واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ
هامش
( 1 ) - [ البحار : « فأخذه » ] .
( 2 ) - الحنق - بالتّحريك - : شدّة الاغتياظ .
( 3 ) - [ البحار : « لا واللَّه » ] .
( 4 ) - [ لم يرد في البحار ] .
( 5 ) - الأنفال : 8 / 72 . وقوله : « فالتمع لون هارون » أي ذهب وتغيّر .
( 6 ) - الأنعام : 6 / 84 - 85 .
( 7 ) - [ زاد في البحار : « ويوسف » ] .