فقال : إنِّي أيّام كنت هارباً من بني مروان لا يسعني منهم بلد ، ولا تحويني دار ، ولا ينالني قرار ، كلّما دخلت بلداً ، خالطت أهل ذلك البلد فيما يحبّون لأنال من نفعهم بما يطعموني ويزوِّدوني إذا خرجت إلى بلد آخر ، حتّى قدمت إلى بلد الشّام متنكِّراً ، وعليَّ كساء لا يواريني غيره ، فبينما أنا أدور ، إذ سمعت الأذان في المسجد ، فدخلت ذلك المسجد ، وركعت ركعتين ، وأقيمت الصّلاة ، فصلّيت معهم العصر ، وفي نفسي إذا قضيت الصّلاة أسأل من القوم عشاء ليلتي تلك . ولمّا سلّم الإمام وجلس ، إذا هو شيخ ذو وقار ونعمة ظاهرة ، فأقبل إليه صبيّان ذوا جمال وبهجة ، فسلّما ، فقال الشّيخ : مرحباً بكما وبمَنْ سمّيتما باسمهما .
فكان إلى جانبي فتى ، فقلت : ما هذان الصّبيّان ومن هذا الشّيخ ؟ فقال : هو جدّهما ، وليس في هذا البلد رجل يحبّ عليّ بن أبي طالب عليه السلام غيره . إنّه من حُبِّه عليّاً سمّى سبطيه بالحسن والحسين .
فقلت في نفسي : اللَّه أكبر ، وقمت فرحاً مسروراً ، ودنوت منه وقلت : أيّها الشّيخ ! هل لك أن أحدّثك بحديث تقرّ به عينك ؟ قال : نعم ، فقلت : أخبرني والدي ، عن أبيه ، عن جدِّه ، قال : كنّا جلوساً عند رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، إذ أتته فضّة جارية الزّهراء عليها السلام ، فقالت وهي باكية العينين : إنّ الحسن والحسين عليهما السلام خرجا من عند سيِّدتي فاطمة وما ندري أين ذهبا وهي باكية ، فقام صلى الله عليه وآله وسلم من ساعته حتّى دخل منزل فاطمة ، فوجدها باكية حزينة ، فقال لها : لا تبكي يا فاطمة ولا تحزني ، فوَ الّذي نفسي بيده ، إنّ اللَّه تعالى هو ألطف بهما منكِ وأرحم ، ورفع يده إلى السّماء ، فقال : اللَّهمّ إنّهما لولداي ، وقرّتا عينيّ ، وثمرتا فوادي ، وأنت أرحم وأعلم بموضعهما ، يا لطيف ألطف بلطفك ، احفظهما وسلّمهما أينما كانا من الأرض . فما استتمّ كلامه ودعا حتّى هبط الأمين جبرائيل ، فقال : يا محمّد ! لا تحزن ولا تغتمّ ، فإنّ ولديك وجيهان عند اللَّه تبارك وتعالى في الدّنيا والآخرة ، وأبوهما خير منهما ، وهما الآن نائمان في حظيرة بني النّجّار ، وقد وكّل اللَّه تبارك وتعالى بهما ملكاً يحفظهما . فلمّا سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، مضى ومن حضر معه حتّى انتهى إليهما ، فوجدهما وهما نائمان متعانقان ، والملك الموكّل بهما قد وضع أحد جناحيه وظلّلهما ، والآخر قد
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 276
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٢٧٦