ألقى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله هاتكة حجاباً قد ستره عليَّ ؟ اجعلي حصنكِ بيتكِ ، وقاعة البيت قبركِ حتّى تلقينه وأنتِ على ذلك أطوع ما تكوني له ، لزمتيه ، وانظري بنوع الدّين ما حلتِ عنه .
فقالت لها : ما أعرفني بوعظكِ وأقبلني لنصحكِ ، ولنعم المسير مسير فزعت إليه وأنا بين سائرة ومتأخّرة ، فإن أقعد فمن غير جزع ، وإن أسر فإلى ما لا بدّ من الازدياد منه .
فلمّا رأت امّ سلمة أنّ عائشة لا تمتنع عن الخروج عادت إلى مكانها وبعثت إلى رهط من المهاجرين والأنصار قالت لهم : لقد قُتل عثمان بحضرتكم وكانا هذان الرّجلان ، أعني طلحة والزّبير ، يشيعان عليه كما رأيتم ، فلمّا قضى أمره بايعا عليّاً ، وقد خرجا الآن عليه زعما أنّهما يطلبان بدم عثمان ويريدان أن يخرجا حبيسة رسول اللَّه معهم ، وقد عهد إلى جميع نسائه عهداً واحداً أن يقرن في بيوتهنّ « 1 » ، فإن كان مع عائشة عهد سوى ذلك تظهره وتخرجه إلينا نعرفه ، فاتّقوا اللَّه عباد اللَّه فإنّا نأمركم بتقوى اللَّه والاعتصام بحبله واللَّه وليّ لنا ولكم .
فشقّ كثيراً على طلحة والزّبير عند سماع هذا القول من امّ سلمة ، ثمّ أنفذت امّ سلمة إلى عائشة ، فقالت لها : وقد وعظتكِ فلم تتّعظي وقد كنت أعرف رأيكِ في عثمان وإنّه لو طلب منكِ شربة ماء لمنعتيه ، ثمّ أنتِ اليوم تقولين إنّه قُتل مظلوماً وتريدين أن تثيري لقتال أولى النّاس بهذا الأمر قديماً وحديثاً ، فاتّقِ اللَّه حقّ تقاته ولا تعرضي لسخطه .
فأرسلت إليها عائشة : أمّا ما كنتِ تعرفيه من رأيي في عثمان فقد كان ولا أجد مخرجاً منه إلّاالطّلب بدمه ، وأمّا عليّ فإنّي آمره بردّ هذا الأمر شورى بين النّاس ، فإن فعل وإلّا
هامش
( 1 ) - في تفسير روح المعاني للآلوسي ( ج 22 - ص 6 ) عند قوله تعالى : « وقرن » روى البزّار عن أنس أنّالنِّساء جئن إلى رسول اللَّه بعد نزول الآية ، فقلن : لقد ذهب الرّجال بالفضل والجهاد ، فهل لنا عمل ندرك به فضل المجاهدين ؟ فقال : من قعدت منكنّ في بيتها فإنّها تدرك عمل المجاهدين . قال الآلوسي : وقد يحرم عليهنّ الخروج للزّيارة والمسجد ، ويكون محرماً كبيرة إذا تحقّقت الفتنة بخروجهنّ . وفي الدّرّ المنثور للسّيوطي ( ج 5 - ص 196 ) إنّ سودة بنت زمعة زوجة النّبيّ صلى الله عليه وآله لم تحجّ بعد نزل الآية ، فقيل لها في ذلك ، فقالت : إنِّي حججت واعتمرت ، وأمرني ربّي تعالى شأنه أن أقرّ في بيتي ، فلا أخرج حتّى تخرج جنازتي . قال : وأخرج مسروق أنّ عائشة كلّما قرأت « وقرنَ في بيوتكنّ » تبكي حتّى تبلّ خمارها .