فقالت عائشة : ما أقبلني لوعظكِ ، وما أعرفني بنُصحكِ ؛ وليس الأمر على ما تظنّين ، ولنعم المسير مسيراً فزعت إليّ فيه فئتان متشاجرتان ، إن أقعد ففي غير حرج ، وإن أنهض فإلى ما لا بدّ من الازدياد منه . فقالت امّ سلمة :
لو كان مُعتصماً من زَلّة أحد * كانت لعائشة العُتبى على النّاس
كم سُنّة لرسول اللَّه دارسة * وتلو آي من القرآن مدراس
قد ينزع اللَّه من قومٍ عقولَهم * حتّى يكون الّذي يقضي على الرّأس
تفسيره : قولها - رحمة اللَّه عليها - : « إنّكِ سدّة بين رسول اللَّه صلى الله عليه وآله » ، أي : إنّكِ باب بينه وبين امّته في حريمه وحوزته ، فاستبيح ما حماه ، فلا تكوني أنتِ سبب ذلك بالخروج الّذي لا يجب عليكِ لتحوّجي النّاس إلى أن يفعلوا مثل ذلك .
وقولها : « فلا تندحيه » ، أي : لا تفتحيه فتوسّعيه بالحركة والخروج ، يقال : « ندحت الشّيء » إذا وسّعته ، ومنه يقال : « أنا في مندوحة عن كذا » ، أي في سعة .
وتريد بقولها : « قد جمع القرآن ذيلكِ » ، قول اللَّه عزّ وجلّ : « وقرنَ في بيُوتكنّ ولا تبرّجن تبرّجَ الجاهليّةِ الأولى » .
وقولها : « وسكّن عقيراكِ » من عقر الدّار ، وهو أصلها ، وأهل الحجاز يضمّون العين ، وأهل نجد يفتحونها : فكانت « عقيرا » اسم مبنيّ من ذاك على التّصغير ، ومثله ما جاء مصغّراً « الثّريّا » و « الحميّا » ، وهي سَورة الشّراب ، ولم يسمع بعقيرا إلّافي هذا الحديث .
وقولها : « فلا تُصحِريها » ، أي : لا تبرزيها وتباعديها وتجعليها بالصّحراء ، يقال :
« أصحرنا » إذا أتينا الصّحراء كما يقال : « أنجدنا » إذا أتينا نجداً .
وقولها : « عُلتِ عُلتِ » ، أي : ملتِ إلى غير الحقّ ، والعول الميل والجور ؛ قال اللَّه عزّ وجلّ : « ذلك أدنى ألّاتعولوا » ، يقال : « عال يعول » إذا جاز .
وقولها : « بل قد نهاكِ عن الفُرطة في البلاد » ، أي عن التّقدّم والسّبق في البلاد ، لأنّ الفُرطة اسم في الخروج والتّقدّم مثل غرفة وغرفة ، يقال : « في فلان فُرطة » ، أي : تقدّم