إلى الأرقم بن عبداللَّه - وكان خازن بيت مال المسلمين - فقال له : أسلفني « 1 » مائة ألف [ ألف ] درهم ، فقال له الأرقم : أكتب عليك بها صكّاً « 2 » للمسلمين ؟ قال : وما أنت وذاك لا امّ لك ، إنّما أنت خازن لنا . قال : فلمّا سمع الأرقم ذلك خرج مبادراً إلى النّاس ، فقال :
أيّها النّاس ! عليكم بمالكم ، فإنّي ظننت أنّي خازنكم ولم أعلم أنّي خازن عثمان بن عفّان حتّى اليوم ، ومضى ، فدخل بيته . فبلغ ذلك عثمان ، فخرج إلى النّاس حتّى دخل المسجد ، ثمّ رَقى المنبر ، وقال : أيّها النّاس ! إنّ أبا بكر كان يؤثر بني تيم على النّاس ، وإنّ عمر كان يؤثر بني عديّ على كلّ النّاس ، وإنِّي أوثر واللَّه بني اميّة على مَنْ سواهم . ولو كنتُ جالساً بباب الجنّة ، ثمّ استطعت أن ادخل بني اميّة جميعاً الجنّة لفعلت ، وإنّ هذا المال لنا ، فإن احتجنا إليه أخذناه ، وإن رغم أنف أقوام .
فقال عمّار بن ياسر - رحمه الله - : معاشر المسلمين ! اشهدوا أنّ ذلك مرغم لي ، فقال عثمان :
وأنت ها هنا ، ثمّ نزل من المنبر ، فجعل يتوطّاه برجله حتّى غشي على عمّار ، واحتمل - وهو لا يعقل - إلى بيت امّ سلمة . فأعظم النّاس ذلك وبقي عمّار مغمى عليه لم يصلّ يومئذ الظّهر والعصر والمغرب ، فلمّا أفاق ، قال : الحمد للَّه ، فقديماً أوذيت في اللَّه وأنا أحتسب ما أصابني في جنب اللَّه ، بيني وبين عثمان العدل الكريم يوم القيامة . قال : وبلغ عثمان أنّ عمّاراً عند امّ سلمة ، فأرسل إليها ، فقال : ما هذه الجماعة في بيتكِ مع هذا الفاجر ؟ أخرجيهم من عندكِ ، فقالت : واللَّه ما عندنا مع عمّار إلّابنتاه فاجتنبنا يا عثمان واجعل سطوتك حيث شئت ، وهذا صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله يجود بنفسه من فعالك به . قال : فندم عثمان على ما صنع ، فبعث إلى طلحة والزّبير ، فسألهما أن يأتيا عمّاراً فيسألاه أن يستغفر له .
فأتياه ، فأبى عليهما ، فرجعا إليه ، فأخبراه ، فقال عثمان : من حكم اللَّه يا بني اميّة يا فراش النّار وذباب الطّمع ، شنعتم عليَّ وألبتم « 3 » على أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ؟ ثمّ إنّ عمّاراً - رحمه الله -
هامش
( 1 ) - أسلفه مالًا : أقرضه إيّاه .
( 2 ) - الصّكّ : كتاب الإقرار بالمال أو غير ذلك . وكأ نّه معرّب « چك » .
( 3 ) - في اللّغة : ألب من باب « نصر » بمعنى تجمّع وتحشّد - بشدِّ الميم والشّين - .