الشّام والعراق ، هلمّوا رحمكم اللَّه إلى الأصباح والنّور الوضّاح والعالم الجحجاج إلى النّور الّذي لا يطفى ، والحقّ الّذي لا يخفى ، يا أيّها النّاس ! تيقّظوا من رقدة الغفلة ، ومن برهة الوسنة ، وتكاثف الظّلمة ، ومن نقصان الهمّة ، فو الّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة وتردّى بالعظمة ، لئن قام لي منكم عصبة بقلوب صافية ونيّات مخلصة لا يكون فيها شوب ولا نفاق ولا نيّة فراق لجاهدنا بالسّيف قدماً قدماً ، ولأصفنّ من السّيف جوانبها ، ومن الرّماح أطرافها ، ومن الخيل سنابكها ، فتكلّموا رحمكم اللَّه .
فكأ نّما ألجموا بلجام الصّمت [ إلّا ] ابن الصّرد وبنو الجارود ثلاثة ، وعمرو بن الحمق الخزاعيّ ، وحجر بن عديّ الكنديّ ، والطّرمّاح بن عطارد السّعديّ ، وهاني بن عروة السّدوسيّ ، والمختار بن أبي عبيد الثّقفيّ ، وشدّاد بن عباد الكاهليّ ، ومحمّد بن عطارد الباهليّ ، وتمام العشرين من همدان ، فقالوا لي : يا ابن رسول اللَّه ! ما نملك غير أنفسنا وسيوفنا وها نحن بين يديك ، لأمرك طائعين ، وعن رأيك صادرين ، مرنا بما شئت .
فنظرت يمنة ويسرة ، فلم أر أحداً غيرهم ، فقلت لهم : لي أسوة بجدّي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله حين عبد اللَّه سرّاً وهو يومئذ في تسعة وثلاثين رجلًا ، فلمّا أكمل اللَّه له أربعين ، صاروا في عدّة ، فأظهر أمر اللَّه ، فلو كان معي عدّتهم جاهدت في اللَّه حقّ جهاده ، ثمّ رفعت رأسي نحو السّماء وقلت : اللَّهمّ إنِّي قد دعوت وأنذرت وصوّبت ونبّهت ، فكانوا عن إجابة الدّاعي غافلين ، وعن نصرته قاعدين ، وعن طاعته مقصِّرين ، ولأعدائه ناصرين ، اللَّهمّ فأنزل عليهم رجزك وبأسك الّذي لا يرد عن القوم الظّالمين ، ونزلت عن المنبر ، وأمرت أوليائي وأهل بيتي ، فشدّوا رواحلهم ، وخرجت من الكوفة راحلًا إلى المدينة ، هذا يا جدّاه بعد أن دعوت سائر الامّة وخاطبتهم بعد قتل أمير المؤمنين إلى ما دعاهم إليه هو وخاطبتهم بعدك يا رسول اللَّه جارياً على سنّتك ومنهاجك وسنن أمير المؤمنين ومنهاجه في الموعظة الحسنة والتّرفّق والخطاب الجميل ، والتّخويف باللَّه ، والتّحذير من سخطه وعذابه ، والتّرغيب في رحمته ورضوانه ، وصفحه وغفرانه لمن وفى بما عاهد عليه اللَّه ، ورغبتهم في نصرة الدّين ، وموافقة الحقّ ، والوقوف بين أمر اللَّه ونهيه ، فرأيت أنفسهم
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 1166
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١١٦٦