وجمع الحسين أصحابه قُرب المساء ، قبل مقتله بليلة ، فقال : أثني على اللَّه أحسن الثّناء وأحمده على السّرّاء والضّرّاء ، اللّهمّ إنّي أحمدك على أن أكرمتنا بالنّبوّة وعلّمتنا القرآن ، وفقّهتنا في الدّين ، وجعلت لنا أسماعاً وأبصاراً وأفئدة ، ولم تجعلنا من المشركين ، أمّا بعد ، فإنِّي لا أعلم أصحاباً أولى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ ولا أوصل من أهل بيتي ، فجزاكم اللَّه عنّي جميعاً .
وقد أخبرني جدّي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، بأ نّي سأساق إلى العراق ، فأنزل أرضاً يقال لها عمورا وكربلا ، وفيها أستشهد ، وقد قرب الموعد .
ألا وأنِّي أظنّ يومنا من هؤلاء الأعداء غداً ، وأنِّي قد أذنت لكم فانطلقوا جميعاً في حلّ ليس عليكم منِّي ذمام ، وهذا اللّيل قد غشيكم فاتّخذوه جملًا ، وليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي ، فجزاكم اللَّه جميعاً خيراً ، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم ، فإنّ القوم إنّما يطلبونني ، ولو أصابوني لذهلوا عن طلب غيري .
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبداللَّه بن جعفر : لِمَ نفعل ذلك ، لنبقى بعدك ؟ ! لا أرانا اللَّه ذلك أبداً ، بدأهم بهذا القول العبّاس بن عليّ وتابعه الهاشميّون .
والتفت الحسين إلى بني عقيل وقال : حسبكم من القتل بمسلم ، اذهبوا قد أذنت لكم .
فقالوا : إذاً ما يقول النّاس ؟ وما نقول لهم ؟ إنّا تركنا شيخنا وسيِّدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن برمح ، ولم نضرب بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ؟ ! لا واللَّه ، لا نفعل ، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا ، نقاتل معك حتّى نرد موردك ، فقبّح اللَّه العيش بعدك .
نفوس أبَت إلّاتراث أبيهم * فهم بين موتور لذاك وواتر
لقد ألفت أرواحهم حومة الوغى * كما أنست أقدامهم بالمنابر
وقال مسلم بن عوسجة : أنحن نخلّي عنك ؟ وبماذا نعتذر إلى اللَّه في أداء حقّك ؟ أما واللَّه لا أفارقك حتّى أطعن في صدورهم برمحي ، وأضرب بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ،