فجمع الحسين عليه السلام أصحابه وقال : أثني على اللَّه أحسن الثّناء وأحمده على الشّدّة والرّخاء ، معاشر المؤمنين ! لست أعلم أصحاباً أصبر منكم ، ولا أهل بيت أوفى وأفضل من أهل بيتي ، فجزاكم اللَّه تعالى عنِّي أحسن الجزاء ، وإنّي أظنّ أنّ آخر أيّامي هذه مع هؤلاء القوم الظّالمين ، وقد أبحتكم ، فما في رقابكم منِّي ذمام وحرج ، وهذا اللّيل قد انسدل عليكم ، فليأخذ كلّ رجل منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرّقوا في البيداء يميناً وشمالًا ، عسى أن يفرّج اللَّه عنّا وعنكم ، فإنّ القوم يطلبوني دونكم .
فقال له إخوته وبنو أخيه ومواليه وبنو عبداللَّه بن جعفر : لم نفعل ذلك يا سيّدنا ولا أرانا اللَّه فيك سوء ولا مكروهاً .
ثمّ قال لأولاد مسلم بن عقيل : حسبكم من القتل بأبيكم مسلم ، فقد أذنت لكم ، فقالوا : معاذ اللَّه يا سيِّدنا ، إذا نحن تركناك فماذا تقول النّاس لنا وماذا نقول لهم ؟ لا كان ذلك أبداً ، بل نفديك بأرواحنا وأنفسنا ، ونقاتل معك الأعداء حتّى نرد موردك ، فقبحاً للعيش بعدك .
قال : ثمّ قام إليه مسلم بن عوسجة رحمه الله ، قال : أنخلِّيك يا ابن رسول اللَّه وحيداً فريداً فبما نعتذر غداً عند جدّك وأبيك وامّك وأخيك ؟ واللَّه لأكسرنّ فيهم رمحي ولأضربنّهم بسيفي ما ثبت قائمه بيدي ، واللَّه لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لأقاتلنّهم بالحجارة حتّى يعلم اللَّه تعالى أنِّي قد حفظت ذرّيّة نبيّه ، واللَّه لو أنِّي اقتل ثمّ أحيى ثمّ اقتل ثمّ احرق ويفعل بي ذلك سبعين مرّة ما تركتك ، فكيف وهي قتلة واحدة وبعدها الكرامة الّتي لا أوفى منها . ثمّ جلس وقام زهير بن القين رحمه الله وقال : يا ابن بنت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ! وددت أنِّي اقتل ثمّ أحيى ، هكذا ألف مرّة ويدفع اللَّه عنك وعن هؤلاء الفتية الّذين حولك القتل .
قال : وتكلّم أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً ، وقالوا : واللَّه لا نفارقك وأنفسنا دون نفسك ، نفديك بأرواحنا من جميع الأسواء ، فإذا نحن قُتلنا فقد قضينا ما علينا .
مقتل أبي مخنف ( المشهور ) ، / 61 - 63
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 938
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٩٣٨