ثمّ بعث أخاه العبّاس ، فسكتهنّ ، ثمّ شرع يذكر للنّاس فضله وعظمة نسبه وعلوّ قدره وشرفه ، ويقول : راجعوا أنفسكم وحاسبوها ، هل يصلح لكم قتال مثلي ، وأنا ابن بنت نبيّكم ، وليس على وجهِ الأرض ابن بنت نبيّ غيري ، وعليٌّ أبي ، وجعفر ذو الجناحين عمّي ، وحمزة سيِّد الشّهداء عمّ أبي ؟ وقال لي رسول اللَّه ( ص ) ولأخي : « هذان سيِّدا شباب أهل الجنّة » . فإن صدّقتموني بما أقول ، فهو الحقّ ، فوَ اللَّه ما تعمّدتُ كذبةً منذ علمتُ أنّ اللَّه يمقتُ على الكذب ، وإلّا فاسألوا أصحاب رسول اللَّه ( ص ) عن ذلك : جابر بن عبداللَّه ، وأبا سعيد ، وسهل بن سعد ، وزيد بن أرقم ، وأنس بن مالك ، يخبرونكم بذلك ، ويحكم ! أما تتّقون اللَّه ؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي ؟ فقال عند ذلك شمر بن ذي الجوشن :
هو يعبد اللَّه على حرف : إن كنت أدري ما يقول ؟ فقال له حبيب بن مظهّر : واللَّه يا شمر إنّك لتعبد اللَّه على سبعين حرفاً ، وأمّا نحن ، فواللَّه إنّا لندري ما يقول ، وإنّه قد طبع على قلبك .
ثمّ قال : أيّها النّاس ذروني أرجع إلى مأمني من الأرض ، فقالوا : وما يمنعك أن تنزل على حكم بني عمّك ؟ فقال : معاذ اللَّه « إنِّي عذتُ بِرَبِّي وربِّكُم من كلِّ مُتكبِّرٍ لا يُؤمنُ بيومِ الحساب » ، ثمّ أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان ، فعقلها [ ثمّ قال : أخبروني أتطلبوني بقتيل لكم قتلته ؟ أو مال لكم أكلته ؟ أو بقصاصة من جراحة ؟ قال : فأخذوا لايكلِّمونه .
قال : فنادى يا شبث بن ربعيّ ، يا حجّار بن أبجر ، يا قيس بن الأشعث ، يا زيد بن الحارث ، ألم تكتبوا إليَّ أنّه قد أينعت الثِّمار ، واخضرّ الجناب ، فأقْدِم علينا فإنّك إنّما تُقدم على جندٍ مجنّدة ؟ فقالوا له : لم نفعل . فقال : سبحان اللَّه ! واللَّه لقد فعلتم ، ثمّ قال : يا أيّها النّاس ! إذ قد كرهتموني ، فدعوني أنصرف عنكم ، فقال له قيس بن الأشعث : ألا تنزل على حكم بني عمّك ؟ فإنّهم لن يؤذوك ، ولا ترى منهم إلّاما تحبّ . فقال له الحسين : أنت أخو أخيك ، أتريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم بن عقيل ؟ لا واللَّه لا أعطيهم بيدي إعطاء الذّليل ، ولا أقرّ لهم إقرار العبيد ] « 1 »
ابن كثير ، البداية والنّهاية ، 8 / 178 - 179
هامش
( 1 ) - سقط من المصريّة .