تحضر مجالس الغناء سواء في دارها والعياذ باللَّه أم في خارجها ، وكيف تفعل ذلك وهي العالمة علم اليقين بأحكام الغناء في الإسلام كما ذكرنا طرفاً يسيراً منها ، أمّا ما كان يعقده الشّعراء من مجالسهم الأدبيّة تحت إشرافها ، فعلى ما وصف صاحب الأغاني فكانت تعقد لهم حيث تراهم ولايرونها وتسمع كلامهم ، ثمّ أنّها تُنيب عنها إحدى وصائفها البارعات برواية الأشعار والأحاديث لتقوم بإعلان حكمها الأدبيّ في فصل الخصومات الأدبيّة بين الشّعراء ، ولا غروَ فقد خصّها اللَّه تعالى من بين الحرائر الهاشميّات بالأدب والحكمة لغرض نشر أدب القرآن ولغته في أندية نساء المسلمين ، كما اختصّ عمّتها الحوراء زينب الكبرى بالحكمة السياسيّة والأدب السياسيّ لمقاومة الاضطهاد الأمويّ بعد واقعة الطّفّ المفجعة ، وقيامها ببثّ الدعاية وتنظيم برنامجها ضدّ طغيان الحكم السفيانيّ حتّى تحقِّق على يدها ما أهدفته النهضة الحسينيّة الجبّارة من الأغراض الإصلاحيّة بإعلاء كلمة الحقّ والحرِّيّة وقهر الجبروت والقوّة الغاشمة الأثيمة .
سرّ الدسّ في الرّوايات :
إنّ الأحقاد الأمويّة الموروثة والتخاصم بين أميّة وهاشم أو النّزاع بين القوّة والحقّ ، كلّ ذلك هو السّرّ الدّفين في دسِّ تلك الرّوايات واختلاقها ، أضف إلى هذا عوامل الفساد الأخلاقي الذي تسرّب إلى قصور الخلفاء وشاعَ في ندى الأمراء وانتشار القيان والغواني والسّراري والجواري والغلمان في مجالس الحاكمين والعمّال ، وارتكاب الموبقات من شرب الخمور ، وضرب الطّنبور واللّهو بالمعازف وصناجات الطّرب وسائر الملاهي من متع الفسق والفجور التي انغمس في حمأتها أكثر الملوك والولاة وأولادهم وفتيانهم حتّى اتّسع الحرق على الرّاقع ممّا أدّى في النّهاية إلى اضمحلال الدولة وذهاب ريح أميّة من الوجود .
وهذا التفسّخ الأخلاقي الذي حلّ بالوسط الأمويّ قد أثار في نفوس دهاتهم الشّعور بمركّب النّقص ، فاندفعوا بهذا الشّعور الحادّ إلى التذرّع بكلِّ ذريعة ووسيلة مهما كّلفهم الأمر إلى رمي خصومهم بدائهم وانتقاص أقدارهم ، فلم يفلحوا وكان سهمهم هو
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 696
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٦٩٦