فلمّا أتاهم الخبر تنادى بنو هاشم واجتمعوا وقالوا : لا يخرجنّ منكم إنسان إلّاومعه عصا ، فجاءوا وما بقي إلّاالكلام ، فقالوا : أضربوا بالعصيّ فتضاربوا هم وبنو زهرة حتّى تشاجّوا ، فشجّ بينهم يومئذ أكثر من مائة إنسان . « 1 »
هذا ما رواه صاحب الأغاني نفسه ، وكان الأحرى به أن يتّخذ هذا الحادث وحده أقوى أدلّته في تكذيب ما وصله عن الرّواة المغنِّين والقصّاصين من الأحاديث الملفّقة والرّوايات المزيّفة بخصوص مجالس الغناء وعناية سكينة بها ، لأنّ قومها الأطياب المناجيد الغيارى الّذين شدّدوا النكير على إبراهيم بن عبدالرّحمان بن عوف ، لأنّه تجاسر فخطب سكينة وهو كما نعلم من أعيان قريش ، ولكنّهم لم يعترفوا بكفاءته لها من المستحيل أن يسمحوا لعقيلتهم أن تُصْدِر إذناً عامّاً لأهل المدينة لسماع غناء حنين الحيري في دارها حتّى يسقط سطح الرّواق على الناس ويموت حنين المغنِّي تحت الهدم من شدّة احتشاد النّاس فوق السّطح ، ثمّ كيف يغضّون الطّرف وهم أهل النّجدة والشّهامة والعفّة عن حبس ابن سُريج المغني في دارها ثلاثاً ليغنِّيها بلهو الحديث وتُكْرِهه على ذلك رغم زهده وتنسّكه وإعلانه التوبة عن مآثم الغناء ؟ ثمّ هو يتوجّع ويتأ لّم بين يديها لعلّها تترك حاله مخافة أن يذهب دينه إن غنّاها ، وبالرّغم من ذلك فإنّه لم ينل منها الشّفقة والرّحمة ، فأيّ رجلٍ عاقلٍ يا ترى يؤمن بهذا الحديث المخجل ؟ ومتى كانت كريمة الحسين بن عليّ وحفيدة بضعة محمّد ( ص ) أقلّ غيرة من ابن سُريج على أحكام الشّريعة وسنن الأخلاق المحمّديّة والتقاليد الهاشميّة ، وأيّ مظهر بشع شنيع للاستهتار بالدِّين أبشع من هذا المظهر الذي نسبوه لتلك السّيِّدة المطهّرة الرّفيعة القدر والجلالة .
5 - ومن الأدلّة الحسِّيّة القويّة التي تُبطل قول المتقوِّلين ورأيهم القائل هو احتكام رواة الشّعراء حين اختصموا لديها في المفاضلة بين جرير ، والفرزدق ، وكثير ، والأحوص ،
هامش
( 1 ) - [ الأغاني ( ط دار الثّقافة - بيروت ) ، 16 / 101 ، ( ط دار إحياء التّراث العربيّ - بيروت ) ، 16 / 368 ]