وجميل ، ونصيب ، فقد ذكر صاحب الأغاني « 1 » ، عن محمّد بن سلّام أنّه اجتمع في ضيافة سكينة بنت الحسين عليها السلام هؤلاء الشّعراء ، فمكثوا أيّاماً ثمّ أذنت لهم فدخلوا عليها فقعدت حيث تراهم ولايرونها وتسمع كلامهم ، ثمّ أخرجت وصيفة لها مضيئة قد روت الأشعار والأحاديث . وكانت الوصيفة تنوب عن سيِّدتها بتبليغ حكمها الذي تُصدره في منزلة الشّاعر وشعره من صاحبه المفاخر له ، ثمّ تدخل عليها وتخرج بجائزته وتقول : ألحق بأهلك .
إلّاأنّ الدكتور زكي مبارك قد غمط هذه الحقيقة ولم يذكرها في كتابه « حبّ ابن أبي ربيعة » عندما قصّ هذه القصّة ، وقد أهدف بذلك تحقيق غرضه من أنّ سكينة كانت تجالس الشّعراء وجهاً لوجهٍ بلا حجاب ولا يهمّه بعد ذلك إذا لحقته معرة خيانة أمانة النقليّ مع أنّ اللَّه تعالى يقول : « إنّ اللَّهَ يأمركُم أن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلِها » « 2 » ، وهو نقل هذه القصّة عن الأغاني مبتورة مشوّهة .
هذا وإنّ صاحب الأغاني هو بنفسه قد أقام الحجّة البالغة على تكذيب رواياته المتقدِّمة ولو لم تكن إلّاهذه الرّواية التي رواها عن محمّد بن سلّام ، لأغنت الباحث المنصف عن كلّ دليل وبرهان لإبطال زعم الزّاعمين في أنّ سكينة كانت تُشجِّع الغناء وتسمح لمزامير الشّيطان واستماع لهو الحديث في دارها ، كما تخيّل صاحب الأغاني ومَنْ ضربَ على وتره من ثابتة عصرنا .
وليتهم فكّروا قليلًا وتمهّلوا رويداً ولم يقعوا في تعاتع « 3 » ويتبلّدوا في كلامهم . ونحن لا ننكر هذه الحقيقة الناصعة التي تكشف القناع عنها رواية الأغاني الآنفة الذِّكر والتي تؤيِّد ما ذهبنا إليه بأنّ السّيِّدة سكينة ما كانت يوماً من الأيّام برزة تجالس الشّعراء أو
هامش
( 1 ) - [ الأغاني ( ط دار الثّقافة ) ، 16 / 108 - 109 ، ( ط دار إحياء التّراث العربي ط 2 ) ، 16 / 373 - 374 ]
( 2 ) - [ النّساء : 58 ]
( 3 ) - أي أراجيف الكلام وتخليطه ، وتعتع الرّجل : اضطرب وتبلّد في كلامه