وقال أحد الفلاسفة : من خصائص الغناء أنّه لا يحجزه شيء ، وأنّ الجمع بينه وبين كلّ عمل ممكن ، وأنّ الإبل والخيل تستطيبه ، والصِّبيان الرّضّع تستلذّه ، والوحوش والطّيور تسكن إليه ؛ لأنّه غذاء الرّوح ، إلّاأنّ فيه مفسدة عظيمة في الدِّين والعَرْض ، فيُستعمل للضّرورة .
وهذه الضّرورة تُباح للدّواء لا للغذاء كما أشار إليه العلّامة الفاضل الشيخ محمّد كمال الدّين الأدهميّ الحسينيّ « 1 » ؛ لأنّه في الغذاء مفسدة في الدِّين والعَرْض . هذا وإذا عطفنا النّظر إلى ما تقدّم من النّصوص القرآنيّة والأحاديث النّبويّة وإلى أقوال الفقهاء والصّلحاء ، نرى أنّ النّهي عن الغناء لم يفرق في الحرمة بين استعماله كدواء أو كغذاء ، بل اعتبرتهُ شريعة القرآن من الباطل ووصفتهُ بالفجور وسمّاه الرّسول الأعظم ( ص ) مزمور الشّيطان ورقية الزِّنا ، وأنّ الاستماع إليه لا نفع فيه ، بل هو فسوق وعصيان يورث مساوئ الأخلاق ويُحرِّك كوامن النّفس على ارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن . وإثمه أكثر من نفعه إن كان فيه نفع كما ذهب أنصار علم النّفس .
وإذا علمنا هذا وعلمنا ما دلّت عليه سيرة السّيِّدة الزكيّة - سكينة - وما كانت تتحلّى به من النُّبل والزّكانة وشرف النّفس وطهارة المولد وجمال التّقوى وجلال الإيمان وصحّة المعتقد ، فإنّنا نجزم ونقطع بفساد أقاويل وروايات صاحب الأغاني وأساطيره الخرافيّة التي يكذبها العقل والنّقل .
إذ كما قلنا سابقاً بأنّ خصال بنت الحسين عليها السلام وسجاياها الكريمة وآدابها القرآنية العالية وتربيتها العلويّة الرّفيعة من شأنها أن تجعلها قدوة حسنة لغيرها من نساء المسلمين لمحافظة حدود الشريعة وأحكام السنّة وتعاليم آل البيت المنيفة ، فكيف - والعياذ باللَّه - أن نتصوّر كما تصوّر صاحب الأغاني في أنّها قد استحلّت ما حرّمه اللَّه ورسوله ( ص ) وعمل عليه ساداتها من فقهاء أهل البيت ، بعقد مجالس الباطل في دارها أو في ( الصورين )
هامش
( 1 ) - مؤلِّف كتاب : « مرآة النِّساء فيما حسنَ منهنّ وساء »