قال بعض العارفين : سماع الغناء يورث النِّفاق والعناد والكذب والفجور ، وعشق الصّور واستحسان الفواحش وإدمانه يثقل القرآن على القلب . . . إلى آخره .
وقال الإمام محمّد بن قيم الجوزيّة : من خواصّ الغناء يلهي القلب ويصدّه عن فهم القرآن وتدبّره ، والعمل بما فيه ، فإنّ القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً ، فإنّ القرآن ينهى عن اتِّباع الهوى ويأمر بالعفّة ومجانبة الشّهوات وأسباب الغيّ وينهى عن اتِّباع خطوات الشّيطان ، والغناء يأمر بضدّ ذلك ويُحسِّنه ويهيج النّفوس إلى شهوات الغيِّ فيثير كامنها ويزعج قاطنها ويُحرِّكها إلى كلِّ قبيح ، فهو والخمر رضيعا لبان ، وفي تهيِّجهما على القبائح فرسا رهان ، وهو جاسوس القلوب وسارق المروءة وسوس العقل . إنتهى .
وصيّة يزيد بن الوليد إلى ابنه أميّة :
يا بُنيّ أميّة ! إيّاكم والغناء ، فإنّه ينقص الحياء ويزيد في الشّهوة ويهدم المروءة ، وإنّه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعل السِّكر ، فإن كنتم لا بدّ فاعلين فجنِّبوه النِّساء ، فإنّ الغناء داعية الزِّنا . . . « 1 »
نكتفي بهذا القدر من الأدلّة القرآنيّة والنّبويّة وأقوال العلماء والعقلاء ، وهي كافية لإقامة الحجّة البالغة على تحريم الغناء في الإسلام .
والآن نرجع إلى مناقشة صاحب الأغاني وغيره على ضوء هذه الأحكام الشّريفة ، والتقاليد الهاشميّة العربيّة الصّحيحة ، فنقول :
قد يكون الغناء والضّرب بآلاته المطربة بعض الدّواء في معالجة المرضى بالأمراض العصبيّة والنفسّية المعقّدة ، كما يقول علماء علم النّفس الحديث ، ومنهم مَنْ جعله غذاء الأرواح لما يُحدثه من هزّةٍ وارتياحٍ في النّفس وطرب واستئناس في القلب ، وما في أنغامه وتلاحينه من استجمام للفكر واستراحة للذِّهن من شدّة الجهد والتّعب أو من آلام الحبّ والعشق .
هامش
( 1 ) - [ سير أعلام النّبلاء ( ط دار الفكر ) ، 6 / 173 ( ترجمة يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ) ، والدّرّ المنثور للسيوطي ، 5 / 159 - 160 ( تفسير سورة لقمان عليه السلام ) ]