وزعم أنِّي مجنون وقيّم الدّير في خلال ذلك ، يقول لنا : احذروه ، فإنّه الآن بتغيّر ، ثمّ قال لي : باللَّه أنشدني شيئاً ، فإنِّي أظنّك من أهل الأدب ، فقلتُ لرفيقي : أنشدهُ ، فأنشأ يقول :
قبلتُ ناهاً على خوف مجالسةً [ إلى آخر الأبيات ] .
قال لي : أبو مَنْ أنت جُعلتُ فداك ؟ فقلت : أبو العبّاس .
قال : يا أبا العبّاس ! أنا وهذا الفتى في طرفين ، هذا مجاور مَنْ يهواه مستقبل لما يناله منه ، وأنا ناءٍ مقصيّ ، فباللَّه أنشدني أنتَ شيئاً ، فلم يحضرني في الوقت غير قول ابن أبي ربيعة :
قالت سكينة والدّموع ذوارف [ إلى آخر الأبيات ] .
فقال له رفيقي : مجوناً ولعباً ماتوا ، فقال : ويلك ماتوا ؟ قال : نعم ، ماتوا ، فاضطرب واحمرّت عيناه ، فجعل يضرب برأسه الأرض ويقول : ويلك ! ماتوا حتّى هالنا أمره وانصرفنا عنه ، ثمّ عدنا بعد أيام . فسألنا عنه صاحب الدّير ، فقال : ما زالت تلك حاله إلى أن مات .
الزّجاجي ، الأمالي ، 1 / 336 - 337
وروى الزجّاج في أماليه عن الأخفش : إنّ المبرد دخل في إحدى ديارات المجانين فأنشد لعاشق مجنون قول عمر بن أبي ربيعة :
قالت سكينة والدّموع ذوارف * منها على الخدّين والجلباب « 1 »
وإنّ العلّامة الأديب المحقِّق المرحوم الشنقيطي شارح أمالي الزجّاج « 2 » قد علّق على رواية الأخفش ، فقال : أكثر الرّوايات سكينة في المتمّم وأسكين في المرخّم ، ومَنْ رواها سكينة وأسكين الزجّاج كما هنا ، وأبو عليّ القالي في أماليه ، والرواية الصّحيحة ( قالت سعيدة ) في المتمّم و ( أسعيد ) في المرخّم ، وسعيدة تصغير سعدى وهي بنت عبدالرّحمان بن عوف رضي الله عنه ، وسبب هذا الشعر أنّ سُعدى المذكورة « 1 » [ . . . ثمّ ذكر كلام أبي الفرج في الأغاني في سُعدى بنت عبدالرّحمان بن عوف كما ذكرناه ] .
هامش
( 1 ) ( 1 ) [ قريب بهذا المضمون في السّيّدة سكينة للمقرّم ، / 103 ، وأعلام النّساء لدخيّل ، / 48 - 49 ]
( 2 ) - [ ص 104 الطّبعة المحموديّة بمصر سنة 1354 الطّبعة الثانية ]