وضربت لها قبّة في المسجد الحرام ، فكانت تكون فيها نهاراً ، فإذا أمسَت ، تحوّلت إلى منزلها لتنظر إليه وتجلس بإزاء القبّة ، وقد خبر عمر بشأنها ، فإذا أرادت الطّواف ، أمرت جواريها فيستُرْنَها بالمطاريف ، فكانت تتطلّع إلى عمر كثيراً ، وكانت تسأل مَنْ دخل عليها عنه ، رجاء أن يكون قد قال شيئاً ، فلم يفعل ، حتّى قضت الحجّ ، ورحلت ، ونزلت من مكّة على أميال ، فأقبل راكب من مكّة ، فسألته : من أين أقبلت ؟ قال : من مكّة ، قالت : عليك وعليَّ فرقة أنت منها ، لعنة اللَّه . قال : ولِمَ يا ابنة عبد الملك ؟ قالت : قدِمنا مكّة فأقمنا أشهراً ، فما استطاع الفاسق عمر بن أبي ربيعة أن يزوِّدنا من شعره أبياتاً ، كنّا نلهو بها في سفرنا هذا . قال : فلعلّه قد فعل ، قالت : فاذهب إليه واسأله ، ولكَ في كلّ بيت يأتيني به منه عشرة دنانير .
فأقبل الرّجل ، وأتى عمر بن أبي ربيعة ، فأخبره الخبر ، فقال له : قد فعلت ، ولكن أحبّ أن تكتم عليَّ . قال : أفعل ، ثمّ أنشده :
راعُ الفُؤادَ تفرُّقُ الأحبابِ * يومَ الرّحيلِ فهاجَ لي أطرابي
فظَللتُ مكتئباً أُكفكِفُ عَبْرَةً * سَحّاً يفيضُ كوابلِ الأسرابِ
لمّا تنادَوا للرّحيل وقرّبوا * بُزْلَ الجمالِ لطِيّةٍ وذَهابِ
كادَ الأسى يقضي عليك صبابةً * والوجهُ منكَ لِبَيْنِ إلفِكَ كأبي
قالت سُعَيْدةُ ، والدُّموعُ ذوارِفٌ * منها على الخَدّيْنِ والجِلْبابِ
ليتَ المُغيريَّ الّذي لم نَجْزِهِ * فيما أطالَ تَصيُّدي وطِلابي
كانت ترُدُّ لنا المُنى أيّامنا * إذ لا نُلامُ على هوى وتصابي
أيّامُ نكتُمُ وُدَّنا ونودُّهُ * سرّاً ، مخافةَ منطِقِ المُغْتابِ
أخبِرْتُ ما قالت ، فبِتُّ كأنّما * يُرمى الحشا بنوافذِ النّشّابِ
فبعَثْتُ جاريتي وقلتُ لها : اذهبي * قولي لها في خفيةٍ وقَرابِ
أسُعَيْدُ ، ما ماءُ الفُراتِ وطيبُه * منِّي على ظمأٍ وطيبِ شَرابِ