فقال عليه السلام لها : مهلًا يا بنت المرتضى ، إنّ البكاء طويل ، فأراد عليه السلام أن يخرج من الخيمة ، فلصقت به زينب وقالت : مهلًا يا أخي ، توقّف حتّى أزود من نظري وداع لا تلاق بعده .
فمهلًا يا أخي قبل الممات هنيئة * لتبرد منّي لوعة وغليل
فجعلت تقبّل يديه ورجليه ، وأحطن به سائر النّسوان ، يقبّلن يده ورجله .
وقال المجلسيّ رحمه الله في ترجمة الجلاء : ثمّ ودّع عليه السلام أهل بيته وأمرهم بالصّبر ووعدهم بالصّواب والأجر ، وأمرهم بلبس أزرهم ، وقال لهم : استعدّوا للبلاء ، واعلموا أنّ اللَّه تعالى حافظكم وحاميكم ، وسينجيكم من شرّ الأعداء ويجعل عاقبة أمركم إلى خير ، ويعذّب أعاديكم بأنواع البلاء ، ويعوّضكم اللَّه عن هذه البليّة بأنواع النّعم والكرامة ، ولا تشكوا ولا تقولوا بألسنتكم ما ينقص قدركم ، ثمّ توجّه إلى قتال أعدائه لعنهم اللَّه .
البهبهاني ، الدّمعة السّاكبة ، 4 / 344 - 346
. . . ثمّ قال عليّ لعمّته زينب : يا عمّتاه ، عليَّ بالسّيف والعصا ، فقال له أبوه : وما تصنع بهما ، فقال : أمّا العصا فأتوكّأ عليها ، وأمّا السّيف فأذبّ به بين يدي ابن رسول اللَّه ، فإنّه لا خير في الحياة بعده .
فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك وضمّه إلى صدره وقال له : يا ولدي ، أنت أطيب ذريّتي وأفضل عترتي ، وأنت خليفتي على هؤلاء العيال والأطفال ، فإنّهم غرباء مخذولون قد شملتهم الذّلّة واليتم ، وشماتة الأعداء ونوائب الزّمان ، سكّتهم إذا صرخوا ، وآنسهم إذا استوحشوا ، وسلّ خواطرهم بلين الكلام ، فإنّهم ما بقي من رجالهم مَن يستأنسون به غيرك ، ولا أحد عندهم يشكون إليه حزنهم سواك ، دعهم يشمّوك وتشمّهم ، ويبكوا عليك وتبكي عليهم ، ثمّ لزمه بيده صلوات اللَّه عليه وصاح بأعلى صوته : يا زينبُ ويا أمّ كلثوم ، ويا سكينة ، ويا رقيّة ، ويا فاطمة ، اسمعن كلامي واعلمن أنّ ابني هذا خليفتي عليكم ، وهو إمام مفترض الطّاعة ، ثمّ قال له : يا ولدي ، بلِّغ شيعتي عنِّي السّلام ، فقل لهم : إنّ أبي مات غريباً فاندبوه ومضى شهيداً فأبكوه .