قلّ العزاء وفاضت العينان * وبليت بالأرزاء والأشجان
قتلوا الحسين وسيّروا لنسائه * حرم الرّسول بسائر البلدان
منعوه من ماء الفرات بكربلا * وعدت عليه عصابة الشّيطان
سلبوا العمامة والقميص ورأسه * قسرا يعلّى فوق رأس سنان
فقالت له ابنته : يا أبتاه ! لا خير في الحياة بعد قتل الهداة ، فو اللّه لأحرصنّ في خلاص الرّأس والأسارى وآخذ الرّأس وأدفنه عندي في داري وأفتخر به على أهل الأرض أن ساعدني الإمكان ، وخرجت درّة الصّدف وهي تنادي في أطراف حلب وأزقّتها : « قتل يا ويلكم الإسلام » ، ثمّ دخلت منزلها فلبست درعا وتأزّرت بالسّواد ، وخرجت وخرج معها من بنات الأنصار وحمير ، سبعون فتاه بالدّروع والمغافر فتقدّمتهنّ فتاة يقال لها :
نائلة بنت كبير بن سعد الأنصاريّ ، وسرن من ليلتهنّ ، حتّى إذا كان عند طلوع الشّمس إذ لا حت لهنّ الغبرة من البعد ، ولاحت الأعلام ، وضربت البوقات أمام الرّأس فكمنت درّة الصّدف ومن معها حتّى قرب القوم منهنّ ، فسمعن بكاء الصّبيان ونوح النّساء فبكت درّة الصّدف ومن معها بكاء شديدا ، وقالت : ما رأيكنّ ؟ قلن : الرّأي أن نصبر حتّى يقربوا منّا وننظر عدّة القوم ، حتّى إذا طلعت الرّايات وإذا تحتها رجال قد تلثّموا بالعمائم ، وجرّدوا السّيوف ، وشرّعوا الرّماح ، والبيض تلمع ، والدّروع تسطع ، وكلّ منهم يرتجز ، فأقبلت درّة الصّدف عليهنّ وقالت : الرّأي أن نستنجد ببعض قبائل العرب ونلتقي القوم ، وتوجّه جيش يزيد ( لعنه اللّه ) إلى حلب ودخلوا من باب الأربعين ، وأتوا إلى رحبة الدّلّالين فنصبوا الرّأس هناك ، فهي إلى يومنا هذا لا يقضى فيها حاجة ، فباتوا تلك اللّيلة وارتحلوا إلى قنسرين وهي مدينة صغيرة . . .
فلمّا أحسّوا بمجيئهم أغلقوا الباب ، فناداهم خولى : ألستم تحت الطّاعة ؟ فقالوا : نعم ، ولكن لو قتل كبيرنا وصغيرنا ما عبر رأس الحسين ابن بنت رسول اللّه من وسط بلدنا ، فارتحلوا ولم يدخلوا بلدهم ، وساروا إلى معرّة النّعمان ، فتلقّوهم بالفرح والسّرور وفتحوا لهم الأبواب ، وذبحوا الذّبائح ، وباتوا ليلتهم ، فلمّا أصبحوا رحلوا إلى كفر طاب فأغلقوا