فقال الحسين عليه السّلام : صدقت يا زهير ، ولكن ما كنت بالّذي أبدأهم بالقتال حتّى يبدؤوني .
فقال زهير : سر بنا حتّى ننزل كربلاء فإنّها [ على ] شاطئ الفرات فنكون هناك ، فإن قاتلونا قاتلناهم واستعنّا عليهم باللّه .
قال : فدمعت عينا الحسين عليه السّلام ، وقال : اللّهمّ إنّي أعوذ بك من الكرب والبلاء ، ونزل الحسين في موضعه ونزل الحرّ حذاءه . [ . . . ]
قال : فجمع الحسين عليه السّلام ولده وإخوته وأهل بيته بين يديه ، ثمّ نظر إليهم ، فبكى ساعة ، ثمّ قال : اللّهمّ إنّا عترة نبيّك صلّى اللّه عليه واله وقد أخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدّنا ، وتعدّت بنو اميّة علينا ، فخذ لنا بحقّنا ، وانصرنا على القوم الظّالمين .
ثمّ نادى عليه السّلام بأصحابه ورحل من موضعه حتّى نزل كربلاء في يوم الأربعاء أو الخميس ، وذلك في اليوم الثاني من المحرّم سنة إحدى وستّين ، ثمّ أقبل على أصحابه ، فقال : النّاس عبيد الدّنيا ، والدّين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درّت معايشهم ، فإذا محصّوا بالبلاء قلّ الديّانون . ثمّ قال : أهذه كربلاء ؟ فقالوا : نعم . فقال : هذا موضع كرب وبلاء ، هاهنا مناخ ركابنا ، ومحطّ رحالنا ، ومقتل رجالنا ، ومسفك دمائنا .
فنزل القوم وحطّوا أثقالهم ناحية من الفرات ، وضربت خيمة الحسين لأهله وبنيه وبناته ، وضرب إخوته وبنو عمّه خيامهم حول خيمته .
وجلس الحسين عليه السّلام يصلح سيفه ومعه جون مولى أبي ذرّ الغفّاريّ ، فأنشأ الحسين يقول :
يا دهر افّ لك من خليل * كم لك بالإشراق والأصيل
من طالب بحقّه قتيل * والدّهر لا يقنع بالبديل
وكلّ حيّ سالك سبيل * ما أقرب الوعد من الرّحيل
وإنّما الأمر إلى الجليل * [ سبحانه جلّ عن المثيل ]
فسمعت بذلك أخت الحسين زينب وأمّ كلثوم ، فقالت : يا أخي ، هذا كلام من أيقن بالموت !