ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
« 1 » ، فمن اتّقى اللّه تعالى ، جعل اللّه له مخرجا في الدّنيا والآخرة ، أو جعل له نجاة ونصرا ، أو جعل له فصلا بين الحقّ والباطل .
وهذا يستلزم : أنّ من اتّقى اللّه بفعل أوامره وترك زواجره ، وفّق لمعرفة الحقّ من الباطل ، فكان ذلك سبب نصره ونجاته ومخرجا له من أمور الدّنيا وسعادته يوم القيامة ، وتكفير ذنوبه وسترها عن النّاس ، وسببا لنيل ثواب اللّه الجزيل ، كقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
« 2 » .
لهذا كانت عليها السّلام ، كثيرة الخلوة بربّها ، غارقة في سبحات مناجاتها ، حتّى إذا ضمّها اللّيل ، وغارت النّجوم ، وهدأت الأصوات ، وسكنت الحركات ، ونامت العيون ، وأغلقت أبواب الملوك ، نصبت أقدامها للعبادة ، فبدأت سريعة الدّمعة ، كثيرة الخوف ، كبيرة الرّجاء ، تناجي ربّها وتقول : « يا من لبس العزّ وتردّى به ، وتعطّف بالمجد وتحلّى به ، أسألك بمعاقد العزّ من عرشك ، ومنتهى الرّحمة من كتابك ، وباسمك الأعظم ، وجدّك الأعلى ، وكلماتك التّامّات الّتي تمّت صدقا وعدلا ، أن تصلّي على محمّد ، وآل محمّد ، الطّيّبين الطّاهرين ، وأن تجمع لي خيري الدّنيا والآخرة » .
« 2 » - عمق ذكائها وسداد تفكيرها ، ورجاحة عقلها ، فقد كانت عليها السّلام راجحة العقل ، ثاقبة الفكر ، حصيفة الرّأي ، تسرد قولها سردا ، فكأنّه عقد منظّم ، حتّى كانت مضرب الأمثال من بين أقرانها وأترابها في الفصاحة والبلاغة وحسن البيان .
ذلك لأنّ اللّه سبحانه وتعالى منحها صفاء القريحة ، وسداد الرّأي ، والغوص على أسرار الكون الّذي تضلّ في معانيه عقول البشر ، حتّى كانت فوق أترابها فقها ، وأدبا ، وحلما ، ودينا ، وخلقا .
ولا غرابة في ذلك على من كان بيت النّبوّة تربتها الخصبة ، وسيّد الخلق صلى اللّه عليه وسلم جدّها ،
هامش
( 1 ) - الأنفال : 29 .
( 2 ) - الحديد : 28 .