فأخذت سواري ودملجي وسوار أختي ودملجها ، فبعثنا به إليه واعتذرنا من قلّتها ، وقلنا : هذا بعض جزائك لحسن صحبتك إيّانا ، فقال : لو كان الّذي صنعت للدّنيا كان في دون هذا رضاي ولكن واللّه ما فعلته إلّا للّه وقرابتكم من رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم . ( أقول ) :
ومن هذه القصّة يعرف المتأمّل الكرم الجبليّ الّذي تلبّس به أهل البيت عليهم السّلام والزّهد الفطريّ الّذي لازمهم ، لأنّ تلك الحلّي الّتي أكرمت بها زينب وأختها هذا الرّجل هو جميع ما كان لهما من متاع الدّنيا ، وذلك لكونهما لم يحصلا على غيرها من أموالهما المنهوبة يوم الطّفّ ، وهذا نهاية الكرم وغاية الزّهد .
عبادتها وانقطاعها إلى اللّه تعالى : العبادة من العبودية وهي غاية الخضوع والتّذلّل .
ولذلك كانت للّه تعالى ولا تحسن لغيره لأنّه جلّ وعلا وليّ كلّ نعمة ، وغاية كلّ رغبة ، وأكثر النّاس عبادة هو أعرفهم باللّه عزّ وجلّ كالأنبياء والأئمّة صلوات اللّه عليهم وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم يصلّي اللّيل كلّه . ولقد قام صلّى اللّه عليه واله وسلم عشر سنين على أطراف أصابعه حتّى تورّمت قدماه ، واصفرّ وجهه ، فأنزل اللّه عليه :
طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى
فقال صلّى اللّه عليه واله وسلم : أو لا أكون عبدا شكورا . وكان أمير المؤمنين عليه السّلام يصلّي كلّ يوم وليلة ألف ركعة ، ولم يترك النّافلة حتّى في الحروب كما روي عنه ذلك في صلواته ليلة الهرير بصفّين ، وكذلك كانت الصّدّيقة الكبرى فاطمة الزّهراء صلوات اللّه عليها تصلّي عامّة اللّيل ، فإذا اتّضح عمود الصّبح أخذت تدعو للمؤمنين والمؤمنات ، وكان الأئمّة من ولدها صلّى اللّه عليه واله وسلم يضرب بهم المثل في العبادة .
« 1 » « 2 » ( أمّا زينب ) صلوات اللّه عليها فلقد كانت في عبادتها ثانية أمّها الزّهراء عليها السّلام ، وكانت تقضي عامّة لياليها بالتّهجّد وتلاوة القرآن . قال بعض ذوي الفضل : إنّها صلوات اللّه عليها ما تركت تهجّدها للّه تعالى طول دهرها حتّى ليلة الحادي عشر من المحرّم « 1 » . ( قال ) وروي عن زين العابدين عليه السّلام أنّه قال : رأيتها تلك اللّيلة تصلّي من جلوس ، وعن الفاضل
هامش
( 1 - 1 ) [ حكاه عنه في أعلام النّساء ، / 20 ، 85 ] .
( 2 ) ( 2 ) ( 2 * ) [ حكاه عنه في العوالم ( المستدرك ) ، 11 - 2 / 953 - 954 ] .