« ولئن جرّت عليّ الدّواهي مخاطبتك إنّي لأستصغر قدرك وأستعظم تقريعك وأستكثر توبيخك » ، فهذا الموقف الرّهيب الّذي وقفت به هذه السّيّدة الطّاهرة مثّل الحقّ تمثيلا وأضاء إلى الحقيقة لطلّابها سبيلا ، وأفحمت يزيد ومن حواه مجلسه المشؤوم بذلك الأسلوب العالي من البلاغة ، وأبهتت العارفين منهم بما أخذت به مجامع قلوبهم من الفصاحة ، فخرست الألسن ، وكمّت الأفواه ، وصمّت الآذان وكهربت تلك النّفس النّورانيّة القاهرة منها عليها السّلام تلك النّفوس الخبيثة الرّذيلة من يزيد وأتباعه بكهرباء الحقّ والفضيلة حتّى بلغ به الحال أنّه صبر على تكفيره وتكفير أتباعه ولم يتمكّن من أن ينبس ببنت شفة ، يقطع كلامها أو يمنعها من الاستمرار في خطابتها ، وهذا هو التّصرّف الّذي يتصرّف به أرباب الولاية متى شاؤوا وأرادوا بمعونة الباري تعالى لهم وإعطائهم القدرة على ذلك ، وما أبدع ما قاله الشّاعر المفلق الجليل السّيّد مهديّ ابن السّيّد داود الحليّ عمّ الشّاعر الشّهير السّيّد حيدر الحليّ رحمهما اللّه في وصف فصاحتها وبلاغتها من قصيدة :
قد أسّروا من خصّها بآية ال * تّطهير ربّ العرش في كتابه
إن ألبست في الأسر ثوب ذلّة * تجمّلت للعزّ في أثوابه
ما خطبت إلّا رأوا لسانها * أمضى من الصّمصام في خطابه
وجلببت في أسرها آسرها * عارا رأى الصّغار في جلبابه
والفصحاء شاهدوا كلامها * مقال خير الرّسل في صوابه
زهدها في الدّنيا ونعيمها وقناعتها : الزّهد في الشّيء خلاف الرّغبة فيه ، وزهد الإنسان في الشّيء أي تركه فهو زاهد . ( قال الصدوق رحمه اللّه ) في معاني الأخبار : الزّاهد من يحبّ ما يحبّ خالقه ويبغض ما يبغضه خالقه ويتحرّج من حلال الدّنيا ولا يلتفت إلى حرامها . ( وقال بعض الأعلام ) : الزّهد يحصل بترك ثلاثة أشياء ، ترك الزّينة ، وترك الهوى ، وترك الدّنيا ، فالزّاء علامة الأوّل ، والهاء علامة الثّاني ، والدّال علامة الثّالث ، والقناعة الرّضا بالقسمة فهي تلازم الزّهد دائما أو هما واحد بلسان الأخبار .