من هجوم أعداء اللّه على رحلها وما فعلوه ، من سلب وسبي ونهب وإهانة وضرب لكرائم النّبوّة وودائع الرّسالة ، وتكفّلها حال النّساء والأطفال في ذلّة الأسر ، ثمّ سيرها معهم من بلد إلى بلد ، ومن منزل إلى منزل ، ومن مجلس إلى مجلس ، وغير ذلك من الرّزايا الّتي يعجز عنها البيان ويكلّ اللّسان ، وهي مع ذلك كلّه صابرة محتسبة ومفوّضة أمرها إلى اللّه تعالى قائمة بوظائف شاقّة من مداراة العيال ومراقبة الصّغار واليتامى من أولاد إخوتها وأهل بيتها ، رابطة الجأش بإيمانها الثّابت وعقيدتها الرّاسخة حتّى كانت تسلّي إمام زمانها زين العابدين عليه السّلام ، أمّا ما كان يظهر منها بعض الأحيان من البكاء وغيره فذلك أيضا كان لطلب الثّواب أو الرّحمة الّتي أودعها اللّه عزّ وجلّ في المؤمنين ، أمّا طلب الثّواب فلعلمها بما أعدّه اللّه عزّ وجلّ للبكائين على الحسين عليه السّلام ، قال الصّادق عليه السّلام : من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح بعوضة غفر اللّه ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر . وعنه عليه السّلام : كلّ الجزع والبكاء مكروه للعبد سوى الجزع والبكاء على الحسين عليه السّلام فإنّه فيه مأجور . وقال الباقر عليه السّلام : أيّما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السّلام دمعة حتّى تسيل على خدّه بوّأه اللّه بها في الجنّة غرفا يسكنها أحقابا . كما أنّ السّجّاد عليه السّلام كان يبكي أباه مدّة حياته وهو الإمام المقتدى به . ( قال المجلسيّ رحمه اللّه ) :
بعد أن ذكر كثرة بكاء السّجّاد على أبيه وذكر حكاية ملامة أحد مواليه له عليه السّلام : إنّ بكاء المقرّبين بعضهم بعضا ليس لأجل المحبّة البشريّة بل لأغراض أخر ، وهنا لمّا كان زين العابدين عليه السّلام عالما بأحوال والده ممّا يخفى على غيره ، ويعلم أنّه أحبّ الخلق إلى اللّه وأنّ فقده سبب لضلالة النّاس وضياع واندراس شريعة سيّد المرسلين صلّى اللّه عليه واله وسلم ، وظهور البدع ، بكى عليه السّلام لذلك ، انتهى .
( أقول ) : وزينب عليها السّلام كان بكاؤها مضافا إلى طلب الثّواب لهذا الغرض أيضا ، وأمّا الرّحمة الّتي أودعها اللّه المؤمنين فمثل ما كان من النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم على ما رواه البخاريّ في صحيحه عن أنس بن مالك عندما دخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم وولده إبراهيم يجود بنفسه ، قال :
فجعلت عينا رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم تذرفان ، فقال له عبد الرّحمان بن عوف : وأنت يا رسول اللّه ؟ فقال : يا بن عوف ! إنّها رحمة ثمّ أتبعها بأخرى ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلم : « إنّ العين
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 122
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص١٢٢