المبدأ الأعلى ، وهو من أفضل الأعمال ومن أشرف الخصال الإنسانيّة ، وإنّما يكون من قوّة الإيمان والثّبات على المبدأ الحقّ ، كما إنّ الجزع والهلع والتّكاسل عن العبادات تنبعث عن ضؤلة الإيمان ، وضعف اليقين ، وقد مدح اللّه تعالى الصّابرين في كتابه الكريم ، فقال عزّ وجلّ :
وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
وقال تعالى :
وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ
وقال تعالى :
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
والآيات كثيرة في الصّبر والأحاديث أكثر ، قال النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم : « الإيمان شطران : شطر صبر ، وشطر شكر » ، وقال صلّى اللّه عليه واله وسلم : « جائني جبرئيل عليه السّلام فقال : يا رسول اللّه ! إنّ اللّه أرسلني إليك بهديّة لم يعطها أحدا قبلك ، فقلت : ما هي ؟ قال : الصّبر ، قلت : فما تفسير الصّبر ؟ قال : يصبر في الضّرّاء كما يصبر في السّرّاء ، وفي الفاقة كما يصبر في الغنى ، وفي البلاء كما يصبر في العافية ، فلا يشكو حاله عند المخلوق بما يصيبه » ، وقال صلّى اللّه عليه واله وسلم : « ما من مسلم يصاب بمصيبة وإن قدم عهدها فأحدث لها استرجاعا ( أي يقول : إنّا للّه وإنّا إليه راجعون ) إلّا أحدث اللّه له مثل أجره يوم أصيب بها » ، ولمّا كان الصّبر بهذه المثابة عند اللّه كان الأقربون إلى اللّه أكثر صبرا من غيرهم كالأنبياء وأوصيائهم ثمّ الأمثل فالأمثل . وهذه الصّدّيقة الطّاهرة قد رأت من المصائب والنّوائب ما لو نزلت على الجبال الرّاسيات لانفسخت واندكّت جوانبها ، لكنّها في كلّ ذلك كانت تصبر الصّبر الجميل كما هو معلوم لكلّ من درس حياتها ، وأوّل مصيبة دهمتها هو فقدها جدّها النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم وما لاقى أهلها بعده من المكاره ، ثمّ فقدها أمّها الكريمة بنت رسول الله صلّى اللّه عليه واله وسلم بعد مرض شديد ، وكدر من العيش ، والاعتكاف في بيت الأحزان ، ثمّ فقدها أخاها المجتبى مسموما تنظر إليه وهو يتقيّؤ كبده في الطّست قطعة قطعة ، وبعد موته ترشق جنازته بالسّهام . ثمّ رؤيتها أخاها الحسين عليه السّلام تتقاذف به البلاد حتّى نزل كربلاء وهناك دهمتها الكوارث العظام من قتله عليه السّلام وقتل بقيّة إخوتها وأولادهم وأولاد عمومتها وخواصّ الأمّة من شيعة أبيها عطاشى ، ثمّ المحن الّتي لاقتها