من أهل بيته عليهم السّلام يحثّون الأمّة على طلب العلم ، وكانوا يغذّون أطفالهم العلم كما يغذّونهم اللّبن .
« 1 » أمّا زينب المتربّية في مدينة العلم النّبويّ ، المعتكفة بعده ببابها العلويّ المتغذّية بلبانه من أمّها الصّدّيقة الطّاهرة سلام اللّه عليها ، وقد طوت عمرا من الدّهر مع الإمامين السّبطين يزقّانها العلم زقّا ، فهي من عياب علم آل محمّد عليهم السّلام وعلب فضائلهم ، الّتي اعترف بها عدوّهم الألدّ ( يزيد الطّاغية ) بقوله في الإمام السّجّاد عليه السّلام : « إنّه من أهل بيت زقّوا العلم زقّا » ؛ وقد نصّ لها بهذه الكلمة ابن أخيها عليّ بن الحسين عليه السّلام : « أنت بحمد اللّه عالمة غير معلّمة وفهمة غير مفهّمة » يريد أن مادّة علمها من سنخ ما منح به رجالات بيتها الرّفيع ، أفيض عليها إلهاما لا بتخرّج على أستاذ ، وأخذ عن مشيخة ، وإن كان الحصول على تلك القوّة الرّبّانيّة بسبب تهذيبات جدّها وأبيها وأمّها وأخويها ، أو لمحض انتمائها إليهم ، واتّحادها معهم في الطّينة ، المكهربين لذاتها القدسيّة ، فأزيحت عنها بذلك الموانع الماديّة وبقي مقتضى اللّطف الفيّاض وحده « 1 » ، وإذ كان لا يتطرّقه البخل بتمام معانيه عادت العلّة لإفاضة العلم كلّه عليها بقدر استعدادها تامّة ، فأفيض عليها بأجمعه إلّا ما اختصّ به أئمّة الدّين عليهم السّلام من العلم المخصوص بمقامهم الأسمى ، على أنّ هنالك مرتبة سامية لا ينالها إلّا ذو حظّ عظيم ، وهي الرّتبة الحاصلة من الرّياضات الشّرعيّة والعبادات الجامعة لشرائط الحقيقة لا محض الظّاهر الموفي لمقام الصّحّة والإجزاء ، فإنّ لها من الآثار الكشفيّة ما لا نهاية لأمدها ، وفي الحديث : « من أخلص للّه تعالى أربعين صباحا انفجرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » ولا شكّ أنّ زينب الطّاهرة قد أخلصت للّه كلّ عمرها ، فماذا تحسب أن يكون المنفجر من قلبها على لسانها من ينابيع الحكمة ؟ ! وما أحلى كلمة قالها عليّ جلال في كتابه ( الحسين ) : من كان النّبيّ صلّى اللّه عليه واله وسلم معلّمه ، ومن كان أبوه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام وأمّه فاطمة الزّهراء ، ناشئا في أصحاب جدّه وأصدقاء أبيه سادات الأمّة ، وقدوة الأئمّة : فلا شكّ أنّه كان يغرّ العلم غرّا كما قال
هامش
( 1 - 1 ) [ حكاه عنه في العوالم ( المستدرك ) ، 11 - 2 / 956 - 957 ] .