أرثم « 1 » وقد رفعت بين أيديهم النّيران في هراويّ القصب ، والنّاس ينادون من كلّ ناحية وجانب : يا لثارات الحسين !
فاجتمع النّاس إلى المختار من كلّ جهة ، وجاءه عبيداللَّه بن الحرّ في قومه وعشيرته ، وجعل إبراهيم بن مالك يدخل السّكك الّتي فيها الأمراء والقوّاد والجند الكثير ، فيهجم عليهم هو والمختار وعبيداللَّه بن الحرّ ، فيكشفونهم مرّة بعد أخرى ، والمختار يقول : اللّهمّ إنّك تعلم أنّا إنّما غضبنا لأهل بيت نبيّك فانصرنا على من قتلهم وظلمهم ، وتمّم لنا دعوتنا ، إنّك على كلّ شيء قدير .
فبيناهم كذلك وإذا بسويد بن عبدالرّحمان من أصحاب عبداللَّه بن مطيع قد أقبل في خيل عظيمة ، وجحفل لجب ، فنظر إليهم إبراهيم ، وقال للمختار : مكانك أيّها الأمير ، ذرني وهؤلاء . ثمّ نادى إبراهيم في أصحابه : يا شرطة اللَّه إليَّ إليَّ ! فأحاط به قومه من قبائل مذحج والنخع ، فقال لهم : انزلوا عن دوابّكم فأنتم أولى بالنّصر والظّفر من هؤلاء الفسّاق الّذين خاضوا في دماء آل محمّد عليهم السلام .
فنزل القوم ونزل معهم إبراهيم ، ثمّ دنوا من القوم فطاعنوهم وضاربوهم ، فهزموهم حتّى بلغوا بهم إلى الكناسة ، فاستوى إبراهيم وأصحابه على دوابّهم ، وجاءوا إلى المختار على مسجد الأشعث بن قيس ، ثمّ على مسجد جهينة ؛ ثمّ بلغوه فرأوا شبث بن ربعيّ وحجّار بن أبجر قد أقبلا بأصحابهما نحو المختار ، فكبّر إبراهيم وأصحابه تكبيرة واحدة وحملوا عليهم ، فاشتدّ القتال ، وكثرت القتلى من أصحابهما ، ثمّ انهزما بجنديهما حتّى تفرّقوا بالأزقّة والسّكك ، ثمّ أقبل أبو عثمان النّهديّ في بني نهد ، وبيده راية صفراء ، وهو ينادي :
يا لثارات الحسين بن عليّ ، إليَّ إليَّ أيّها المهتدون . فثاب إليه النّاس من كلّ ناحية ؛ فحمل على أصحاب عبداللَّه بن مطيع ، فاشتدّ القتال ، ولم يزل النّاس في تلك اللّيلة الدّاجية المسدولة أطرافها في قتال شديد وحرب وطعن ، حتّى لقد نسوا واللَّه فيها ليلة الهرير بصفِّين إلى أن أصبحوا ، فنظر المختار إلى عمود الفجر قد طلع ، فنادى في أصحابه وخرج
هامش
( 1 ) - الأرثم : الفرس الّذي في طرف أنفه بياض