بمثله ، وجعل السّائب بن مالك الأشتر أخو إبراهيم يصيح : يا شيعة آل محمّد ! إنّكم كنتم قبل اليوم تقطع أيديكم وأرجلكم من خلاف وتسمل أعينكم ، وتصلبون أحياء على جذوع النّخل ، وأنتم إذ ذلك في منازلكم لا تقاتلون أحداً من هؤلاء ، فما ظنّكم بهم اليوم بعد هذا القتل ، فهم لو ظهروا عليكم ماذا يفعلون بكم ؟ فاللَّه اللَّه في أنفسكم وأولادكم وأهاليكم ، قاتلوا أعداء اللَّه المحلّين ، فلا ينجيكم اليوم إلّا الصّدق واليقين والطّعن الشّزر ، والضّرب الهبر ، ولا يهوّلنّكم ما ترون من عساكرهم ، فإنّ النّصر مع الصّبر .
فلمّا سمع أصحابه ذلك رموا بأنفسهم عن دوابّهم وجثّوا على الرّكب ، وأشرعوا الرّماح ، وجرّدوا الصّفاح ، وفوقوا السّهام ، فثار القتام ، واصطفقوا بالسّيوف اصطفاقاً ، وتشابكوا مع الأعداء اعتناقاً ، وصبر بعضهم لبعض ، فقتل من ا لفريقين جماعة ، ثمّ انهزم أصحاب ابن مطيع ، فاقتحم المختار الكوفة ، فتصايحت النّسوان وعلت الأصوات بطلب الأمان ، من العجائز والصّبيان ، من فوق السّطوح وكلّ مكان ، ونادوا : يا أبا إسحاق ! اللَّه اللَّه في الحرم !
فصاح المختار : لا بأس عليكم ، الزموا منازلكم ، فأنا المسلّط على المحلِّين .
الخوارزمي ، مقتل الحسين ، 2 / 210 - 213
ودخل إبراهيم على المختار ، وكانت ليلة الأربعاء ، فقال له : إنّا اتّعدنا للخروج ليلة الخميس ، وقد حدث أمر لا بدّ له من الخروج اللّيلة ، فقال : وما هو ؟ فقال : عرض لي إياس بن مضارب ، فقتلته ، فقال المختار : بشّرك اللَّه بخير ، هذا أوّل الفتح ، قم يا سعيد بن منقذ ، فأشعل في الهراديّ « 1 » النّيران ثمّ ارفعها للمسلمين ، وقم يا عبداللَّه بن شدّاد . فناد : « يا منصور أمِت » ، وقم أنت يا سفيان بن ليل ، وأنت يا قدامة بن مالك وقل : « يا لثارات الحسين » . ثمّ قال : عليَّ بدرعي وسلاحي . فأتي به ، فأخذ يلبس سلاحه ويقول :
قَدْ عَلِمَتْ بَيْضَاءُ حَسناءُ الطَّلَلْ * واضِحَة الخَدَّين عَجْزاءُ الكَفَلْ
إنِّي غدَاةَ الرَّوْع مِقْدَامٌ بَطَلْ
هامش
( 1 ) - الهردية : قصبات تضم ملوية بطاقات الكرم ، تحمل عليها قضبانه