نقله ابن عبدالبرّ في الّتمهيد عن بعضهم أنّ يزيد لم يأمرهم بقتله ، وإنّما أمرهم بطلبه ، أو بأخذه ، وحمله إليه ، فهم قتلوه من غير حكمه . وقد ذكر شيخ الاسلام ابن تيميّة في كتاب الفرقان بين أولياء الرّحمن وأولياء الشّيطان ، ما حاصله أنّ جميع ما يُذكر في ذلك لم يثبت وإنّ قتله إنّما كان عن رأي عبيداللَّه بن زياد ، فضلًا عن اللّعنة ، لأنّه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة ، كالقتل وغيره ، من غير تحقيق أو بصيرة ، فحيث لم يثبت ما يقتضي اللّعن ، لا يجوز لعنه ، وبه أفتى المصنِّف .
قال ابن حجر المكِّيّ وهو الأليق بقواعد المذهب ، فلا يجوز لعنه وإن كان فاسقاً خبيثاً ، قال : وفي كلام ابن الصّلاح ما يشهد لذلك ، فلا تولّه ولا تلعنه ، وبالجملة فالرّجل من أهل القبلة ليس بكافر ، لأنّ الأسباب الموجبة للكفر لم يثبت منها شي ، والأصل بقاؤه على إسلامه حتّى يعلم بخروجه عنه . وقد نهى النّبيّ ( ص ) عن لعن أهل القبلة ومقترف الذّنوب والمعاصي لا يكفّر ، وهو مذهب أهل السّنّة .
وقد ذكره الحافظ ابن حجر في تهذيب التّهذيب وقال فيه أنّه ليس أهلًا لأن يُروى عنه وليست له رواية تُعتمد ، ثمّ اعتذر عن ذكره فقال : إنّما ذكرته للتّمييز بينه وبين يزيد ابن معاوية النّخعيّ الكوفيّ العابد . قال : ثمّ وجدت له رواية في مراسيل أبي داوود ، وقد نبّهت عليها في الاستدراك على الأطراف ، ومنهم من أثبت مع فسقه كفره ، نظراً إلى ما فعل بآل بيت رسول اللَّه ( ص ) من الإهنة والإذاية واستباحته المدينة في وقعة الحرّة ، وبما حكى عنه أنّه لمّا طلب المبايعة من الحسين رضي الله عنه فأبى ، وأراد أن يأمر بقتله ، تفاؤل بالمصحف ، فخرج في أوّل سطر : وخابَ كلّ جبّارٍ عنيد ، فمزّق المصحف . ونُقل عنه أنّه لمّا بعث عبيداللَّه برأس الحسين رضي الله عنه إليه ومعه عليّ بن الحسين وأختاه سكينة وفاطمة ، أمر بهم فغلّوا في قيد ، وأقبل على ثناياه بمخصرة معه وقال :
نُفَلِّقُ هاماً من رجالٍ أعزّةٍ * علينا وكانوا هم أعقّ وأظلما
ونُقل عنه أيضاً أنّه قال :
لَيتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا * جرزعَ الخزرجِ من وقعِ الأسَل
وهذا كما ترى تمنٍّ أن لو وُجدَ كفّار قريش الّذين قُتلوا ببدرٍ ورأوا إهانته بأهل