ولم يشهد وفاة أبيه ولا صلّى عليه ، لمقامه في ذلك الوقت ببيت المقدس ، وأبى البيعة عبداللَّه ابن الزّبير ، ولاذَ بمكّة ، والحسين بن علي ، ونهض إلى الكوفة ، لأنّه قاتل الحسين بن عليّ رضي الله عنه أو آمر به أي بالقتل ، قلنا : هذا لم يثبت أصلًا . أمّا كونه لم يقتله بنفسه فهو ظاهر ، وأمّا كونه لم يأمر بقتله ، فهذا فيه الاختلاف الشّائع ، وغاية ما ذكر فيه : إنّ يزيد لمّا قلّد عبيداللَّه بن زياد الكوفة ، مضافا إلى ما تقلّده من أمر البصرة ، وسار إليها مسرعاً متنكِّراً حتّى نزل قصر الإمارة ، بها كتب إليه يزيد : قد ابتلى شأنك بالحسين ، وابتلى بلدك من بين البلدان ، وأنت من بين العمّال ، وفي هذا ما يعتق أو يعوب عبد ، إنّنا يريد أنّ الحسين رضي الله عنه إن ملك ردّك إلى نسبك ، وردّ مقال معاوية إلى ادِّعاء أبيك . فكان هذا القول ممّا حرّضه على الحسين رضي الله عنه ، وهذا لا يدلّ على أنّه أمره بقتله كما هو ظاهر ، ويؤيِّد ذلك أنّ في سنة اثنين وستّين بعد قتل الإمام الحسين رضي الله عنه ، وفدَ أبو القاسم محمّد بن عليّ بن أبي طالب ، المعروف بابن الحنفية ، على يزيد باستدعاء منه ، فلمّا صار إليه ، اعتذرَ ممّا جرى على الحسين رضي الله عنه ، وقال : لو كنتُ حاضراً لما جرى ما جرى ، فقال له محمّد بن عليّ : لا أحبّ أن أسمع في أخي إلّاخيراً ولا أشكّ في أنّك لو وليت أمره لما جرى ما جرى ، ولكن لكلِّ أجلٍ كتاب .
وقصّة قتله رضي الله عنه مشهورة ، وحاصلها أنّ في سنة إحدى وستّين ، أنفذَ عبيداللَّه بن زياد شبث بن ربعي ليلقى الحسين وحربه من طريق خفان في اثني عشر ألفاً ، وعمر بن سعد بن أبي وقّاص من طريق الفرات ليأخذ عليه الطّريقين في جيش آخر ، وقال لعمر مرّة : أن يرجع إلى المدينة ، أو إلى مكّة ، أو يسير إلى يزيد فإن أبى فاستأسره ، فإن أبى فقاتله . فأبى الحسين أن يرجع أو يستأسر ، فقاتلوه ، فقُتِلَ رضي الله عنه سعيداً شهيداً حميداًبمكانٍ يُقال له الطّفّ . واختلف في قاتله ، فقيل سنان بن أنس النّخعيّ ، وقيل شمر بن ذي الجوشن الضّبابيّ ، وكان سنّه إذ ذاك رضي الله عنه ستّاً وخمسين سنة وخمسة أشهر ، وحُمِلَ رأسه إلى عبيداللَّه بن زياد على خشبة ، وهو أوّل رأس حُمِلَ على خشبة ، ودُفِنَ جسده الشّريف بكربلاء .
وبالجملة فإنّه لا يجوز أن يُقال أنّه قتله أو أمر بقتله ما لم يثبت من طرق صحيحة كما
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 780
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٧٨٠