أقول لصحب ضمّت الكأس شملهم * وداعي صبابات الهوى يترنّم
خذوا بنصيب من نعيم ولذّة * فكلّ وإن طال المدى يتصرّم
وكتب فصلًا طويلًا أضربنا عن ذكره ، ثمّ قلب الورقة وكتب ، ولو مددت ببياض لأطلقت العنان ، بسطت الكلام في مخازي هذا الرّجل ، وقد أفتى الغزاليّ في هذه المسألة بخلاف ذلك ، فإنّه سُئِل عمّن يصرِّح بلعن يزيد بن معاوية هل يحكم بفسقه أم يكون ذلك مرّخصاً فيه ، وهل كان يريد قتل الحسين أم كان قصده الدّفع ، وهل يسوغ التّرحّم عليه أم السّكوت عنه أفضل ؟ فأجاب : لا يجوز لعن المسلم أصلًا ، ومَنْ لعن المسلم فهو الملعون ، وقد قال عليه السلام : المسلم ليس بلعّان ، وكيف يجوز لعن المسلم وقد ورد النّهي عن ذلك وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنصٍّ منه ( ص ) ، ويزيد صحّ إسلامه وما صحّ قتله للحسين رضي الله عنه ولا أمره ولا رضاه بذلك ، ومهما لم يصحّ ذلك عنه لم يجز أن يظنّ ذلك به ، فإنّ إساءة الظّنّ أيضاً بالمسلم حرام .
قال اللَّه تعالى : « يا أيُّها الّذينَ آمَنُوا اجتَنِبُوا كثيراً مِنَ الظّنِّ إنّ بعضَ الظّنِّ إثم » « 1 » ، وقال ( ص ) : إنّ اللَّه حرّم من المسلم دمه ، وماله ، وعرضه ، وأن يظنّ به ظنّ السُّوء ، ومَن أراد أن يعلم حقيقة مَن الّذي أمر بقتله لم يقدر على ذلك وإذا لم يعلم وجب إحسان الظّنّ بكلّ مسلم يمكن إحسان الظّنّ به ، ومع هذا لو ثبت على مسلم أنّه قتل مسلماً فمذهب أهل الحقّ ، أنّه ليس بكافر ، والقتل ليس بكفر ، بل هو معصية ، وإذا مات القاتل فربّما مات بعد التّوبة والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنه ، فكيف مَن تاب من قتل . ولم يعرف أنّ قاتل الحسين مات قبل التّوبة وهو الّذي يقبل التّوبة من عباده ، فإذا لا يجوز لعن أحد ممّن مات من المسلمين ، ومَن لعن كان فاسقاً عاصياً اللَّه عزّ وجلّ ولو جاز لعنه فسكت ، لم يكن عاصياً بالإجماع ، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يُقال له في القيامة لِمَ لَمْ تلعن إبليس ويقال للّاعن : لِمَ لعنت ومن أين عرفت أنّه ملعون والملعون هو المبعد من اللَّه عزّ وجلّ وذلك لا يعرف إلّافيمن مات كافراً ، فإنّ ذلك علم بالشّرع ، وأمّا التّرحّم عليه
هامش
( 1 ) - [ الحجرات 49 / 12 ] .