تسرحه كذا رواه الّربيع الجيزيّ فيمن ورد مصر من الصّحابة ( رضي اللَّه تعالى عنهم ) ، ولمّا اتّصلت ميسون بنت بحدل الكلبيّة امّ يزيد بن معاوية بمعاوية وكانت ذات جمال باهر ، وحسن غامر ، أعجب بها معاوية ، وهيّأ لها قصراً مشرفاً على الغوطة وزيّنه بأنواع الزّخارف ، ووضع فيه من أواني الفضّة والذّهب ما يضاهيه ونقل إليه من الدِّيباج الرّوميّ الملوّن والموشي ما هو لائق به ، ثمّ أسكنها مع وصائف لها كأمثال الحور العين فلبست يوماً أفخر ثيابها ، وتزيّنت وتطيّبت بما أعدّ لها من الحليّ والجوهر الّذي لا يوجد مثله ، ثمّ جلست في روشنها وحولها الوصائف ، فنظرت إلى الغوطة وأشجارها ، وسمعت تجاوب الطّير في أوكارها وشمّت نسيم الأزهار وروائح الرّياحين والنّوار ، فتذكّرت نجداً وحنّت إلى أترابها وأناسها ، وتذكّرت مسقط رأسها ، فبكت وتنهّدت ، فقالت لها بعض حظاياها : ما يبكيك وأنت في ملك يضاهي ملك بلقيس ، فتنفّست الصّعداء ، ثمّ أنشدت :
لبيت تخفق الأرواح فيه * أحبّ إليَّ من قصر منيف
ولبس عباءة وتقرّ عيني * أحبّ إليَّ من لبس الشّفوف
وأكل كسيرة في كسر بيتي * أحبّ إليَّ من أكل الرّغيف
وأصوات الرِّياح بكلّ فجّ * أحبّ إليَّ من نقر الدّفوف
وكلب ينبح الطّراق دوني * أحبّ إليَّ من قط ألوف
وبكر يتبع الأظعان صعب * أحبّ إليَّ من بغل زفوف
وخرق من بني عمّي نحيف * أحبّ إليَّ من علج عنوف
فلمّا دخل معاوية عرفته الحظية بما قالت ، وقيل : إنّه سمعها وهي تنشد ذلك ، فقال : ما رضيت ابنة بحدل حتّى جعلتني علجاً عنوفاً ، هي طالق ثلاثاً ، مروها فلتأخذ جميع ما في القصر فهو لها ، ثمّ سيّرها إلى أهلها بنجد ، وكانت حاملًا بيزيد فولدته بالبادية وأرضعته سنتين ، ثمّ أخذهُ معاوية منها بعد ذلك ، والأرواح جمع ريح قال ذو الرّمّة :
إذا هبت الأرواح من نحو جانب * به أهل حبّي هاج قلبي هبوبها
هوى تذرف العينان منه وإنّما * هوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها