قال : فأمّا ما ورد في القرآن من قوله تعالى : « لقد رضيَ اللَّه عن المؤمنين » « 1 » . وقوله :
« محمّدٌ رسولُ اللَّهِ والّذينَ مَعه » « 2 » .
وقول النّبيّ صلى الله عليه وآله : إنّ اللَّه اطّلع على أهلِ بدر ؛ إن كان الخبرُ صحيحاً فكلّه مشروط بسلامةِ العاقبة ، ولا يجوز أن يخبر الحكيم مكلّفاً غير معصوم بأ نّه لا عقاب عليه ، فليفعل ما شاء .
قال هذا المتكلِّم : ومَنْ أنصف وتأمّل أحوال الصّحابة وجدهم مثلنا ، يجوز عليهم ما يجوز علينا ، ولا فرق بيننا وبينهم إلّابالصّحبة لا غير ، فإنّ لها منزلةً وشَرَفاً ، ولكن لا إلى حدٍّ يمتنع على كلّ مَن رأى الرّسول أو صحبَه يوماً أو شهراً أو أكثر من ذلك أن يخطئ ويَزِلّ ، ولو كان هذا صحيحاً ما احتاجت عائشةُ إلى نزول براءتها من السّماء ، بل كان رسول اللَّه صلى الله عليه وآله من أوّل يومٍ يعلم كَذِب أهل الإفك ، لأنّها زوجته ، وصُحبتُها له آكَدُ من صُحبة غيرها . وصفوان بن المعطّل أيضاً كان من الصّحابة ، فكان ينبغي ألّا يَضيق صدرُ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، ولا يحمل ذلك الهمّ والغمّ الشّديدَين اللّذين حمَلهما ويقول :
صَفْوان من الصّحابة ، وعائشة من الصّحابة ، والمعصيةُ عليهما ممتنعة .
وأمثالُ هذا كثير ، وأكثر من الكثير ؛ لمن أراد أن يَستقرئ أحوالَ القوم ، وقد كان التّابعونَ يَسلُكون بالصّحابة هذا المسلك ، ويقولون في العُصاة منهم مثلَ هذا القول ، وإنّما اتّخذهم العامّة أرباباً بعد ذلك .
قال : ومَن الّذي يجترئ على القول بأنّ أصحاب محمّد لا تجوز البراءةُ من أحدٍ منهم وإن أساؤوا وعِصى بعدَ قول اللَّه تعالى للّذي شرِّفوا برؤيته : « لئِن أشركتَ ليحبَطَنّ عملُك ولتكوننّ مِن الخاسرين » « 3 » بعد قوله : « قُل إنِّي أخافُ إن عَصيتُ ربِّي عذابَ يوم عظيم » « 4 » وبعد قوله : « فاحْكُم بينَ النَّاس بالحقّ ولا تتّبع الهوَى فيضلَّك عن سبيل اللَّه إنّ الّذين
هامش
( 1 ) - سورة الفتح 18 .
( 2 ) - سورة الفتح 29 .
( 3 ) - سورة الزّمر 65 .
( 4 ) - سورة الزّمر 13 .