لا يتعاظَمُنِي كبير ، ولا أجزع « 1 » من صغير ، فأخبرني عنها وإلّا سألت غيرك ، فقال : ما بالحجاز أعظم منها قدراً ، قال : قد أقطعتك ، فشكَرَه عبد الملك ودعا له ، فلمّا ولّى قال يزيد : إنّ الناس يزعمون أنّ هذا يصير خليفة ، فإن صدقوا فقد صانعناه ، وإن كذبوا فقد وصلناه .
وكان يزيد صاحب طرب وجوارح وكلاب وقُرُود وفهود ، ومنادمة على الشّراب ، وجلس ذات يوم على شرابه ، وعن يمينه ابن زياد ، وذلك بعد قتل الحسين ، فأقبل على ساقيه ، فقال :
اسْقِنِي شَرْبَةً تُرَوِّي مُشَاشِي * ثمّ مِلْ فاسق مثلها ابن زياد « 2 »
صاحب السّرّ والأمانة عِنْدِي * ولتسديد مغنمي وجهادي
ثمّ أمر المغنّين ، فغنّوا [ به ] .
وغلب على أصحاب يزيد وعمّاله ما كان يفعله من الفسوق ، وفي أيّامه ظهر الغناء بمكّة والمدينة ، واستعملت الملاهي ، وأظهر النّاس شرب الشّراب ، وكان له قرد يكنّى بأبي قيس يحضره مجلس منادمته ، ويطرح له متكأ ، وكان قرداً خبيثاً وكان يحمله على أتان وحشية قد ريضت وذلّلَتْ لذلك بسرج ولجام ويسابق بها الخيل يوم الحَلْبة ، فجاء في بعض الأيّام سابقاً ، فتناول القصبة ودخل الحجرة قبل الخيل ، وعلى أبي قيس قَبَاء من الحرير الأحمر والأصفر مشمر ، وعلى رأسه قلنسوة من الحرير ذات ألوان بشَقائق ، وعلى الأتان سرج من الحرير الأحمر منقوش ملمّع بأنواع من الألوان ، فقال في ذلك بعض شعراء الشّام في ذلك اليوم :
تمسكْ أبا قيس بِفَضْلِ عِنَانها * فليس عليها إن سقطت ضَمَان
ألا مَنْ رأى القرد الّذي سبقت به * جياد أمير المؤمنين أتان
وفي يزيد وتملّكه وتجبّره وانقياد النّاس إلى ملكه ، يقول الأحْوَصُ :
هامش
( 1 ) - كذا في ا ، وفي ب : « ولا أخدع من صغير » وأحسب أنّ الأصل « ولا أخدع عن صغير » .
( 2 ) - في ب : « ثمّ صل » وما أثبتناه موافقاً لما في ا هو الصّحيح .