الكوفة يومئذ سبعمائة مقاتل من الأزد ، فوثبت إليه فتية من الأزد ، فانتزعوه منهم ، وانطلقوا به إلى منزله ، ونزل ابن زياد عن المنبر ودخل القصر ، ودخلت عليه أشراف النّاس ، فقال : أرأيتم ما صنع هؤلاء القوم ؟ قالوا : رأينا أصلح اللّه الأمير ، إنّما فعل ذلك الأزد ، فشدّ يدك بساداتهم ، فهم الّذين استنقذوه من يدك .
فأرسل عبيد اللّه إلى عبد الرّحمان بن مخنف الأزديّ فأخذه ، وأخذ جماعة من أشراف الأزد فحبسهم ، وقال : لا خرجتم من يدي أو تأتوني بعبد اللّه بن عفيف ، ثمّ دعا بعمرو ابن الحجّاج الزّبيديّ ، ومحمّد بن الأشعث ، وشبث بن ربعيّ ، وجماعة من أصحابه ، فقال لهم : اذهبوا إلى هذا الأعمى الّذي أعمى اللّه قلبه كما أعمى عينيه ، فآتوني به .
فانطلقوا يريدون عبد اللّه بن عفيف وبلغ الأزد ذلك ؛ فاجتمعوا وانضمّت إليهم قبائل من اليمن ليمنعوا صاحبهم ، فبلغ ذلك ابن زياد ، فجمع قبائل مضرّ ، وضمّهم إلى محمّد بن الأشعث ، وأمره أن يقاتل القوم ، فأقبلت قبائل مضرّ ، ودنت منهم اليمن ، فاقتتلوا قتالا شديدا ، وبلغ ذلك ابن زياد ، فأرسل إلى أصحابه يؤنّبهم ، ويضعّفهم ، فأرسل إليه عمرو ابن الحجّاج ، يخبره باجتماع اليمن معهم ، وبعث إليه شبث بن ربعيّ : أيّها الأمير ! إنّك بعثتنا إلى أسود الآجام فلا تعجل . قال : واشتدّ اقتتال القوم ، حتّى قتلت جماعة من العرب ووصل القوم إلى دار عبد اللّه بن عفيف ، فكسروا الباب واقتحموا عليه ، فصاحت ابنته : يا أبتي أتاك القوم من حيث تحذر . فقال : لا عليك يا بنية ناوليني سيفي . فناولته السّيف ، فجعل يذّب عن نفسه وهو يقول :
أنا ابن ذي الفضل عفيف الطّاهر * عفيف شيخي وأنا ابن عامر
كم دارع من جمعكم وحاسر * وبطل جدّلته مغاور
وجعلت ابنته تقول : ليتني كنت رجلا فأقاتل بين يديك هؤلاء الفجرة ، قاتلي العترة البررة ! وجعل القوم يدورون عليه من يمينه وشماله وورائه ، وهو يذّب عن نفسه بسيفه فليس أحد يقدم عليه كلّما جاؤوه من جهة ، قالت ابنته : جاؤوك يا أبتي من جهة كذا .
حتّى تكاثروا عليه من كلّ ناحية ، وأحاطوا به ، فقالت ابنته : وا ذلّاه ! يحاط بأبي وليس له ناصر يستعين به . وجعل عبد اللّه يدافع ويقول :