قال ابن الجوزيّ في كتاب الرّدّ على المتعصّب العنيد : ليس العجب من فعل عمر بن سعد وعبيد اللّه بن زياد وتسليط ابن سعد على قتله وشمر وحمل الرّؤوس إليه ، وإنّما العجب من خذلان يزيد وضربه بالقضيب على ثنايا الحسين عليه السّلام وحمل آل الرّسول سبايا على أقتاب الجمال ، وعزمه على أن يدفع فاطمة إلى الرّجل الّذي طلبها ، ولو أنّه احترم الرّأس حين وصوله وصلّى عليه ولم يتركه في الطّست ولم يضربه بالقضيب ، ما الّذي كان يضرّه ، وقد حصل مقصوده من القتل وتحقّق أحقاد جاهليّته ، ودليلها ما تقدّم من إنشاده : ليت أشياخي ببدر شهدوا . انتهى .
وليس هذا من يزيد بعجيب ، بل صدر مثله من ابن زياد ، حيث رأى أنّ النّاس يلومونه ويذمّونه وينغصونه بما فعل بالحسين عليه السّلام ، أراد إلباس الأمر وقال : إنّي لم آمر بقتل الحسين ، وإنّما قتله ابن سعد ، وقد دفع الملعون عن نفسه ، مع وضوح الأمر كالشّمس .
القزويني ، الإمام الحسين عليه السّلام وأصحابه ، 1 / 418 - 419
هذا ما وصلنا في أمر الرّأس واتّفقت كتبهم نقلا عن أعاظم ، ووجوه مذهبهم ، ولعلّ المتّتبّع يطّلع على أزيد من ذلك . ومع هذا كلّه ، قال عليّ جلال الحسينيّ في كتاب الحسين تبعا لابن تيميّة : ورأيي أنّ يزيد لم ينكت ثغر الحسين ولا أنشد « يا غراب البين » ، واستدلّ على قوله بوجوه خمسة :
( الأوّل ) ما رواه الإمام البخاريّ في صحيحه : أنّ الّذي نكت ثغره ابن زياد .
وفيه : إنّ البخاريّ إنّما أورد في صحيحه فعل ابن زياد ، ولم يصرّح بعدم فعل يزيد ، ولم ينحصر ذلك بفعل ابن زياد كما نقل عليّ جلال ذلك قبل أسطر من كتابه ، قال : روى البخاريّ في صحيحه في مناقب الحسن والحسين بسنده عن محمّد ، عن أنس بن مالك :
إنّ عبيد اللّه بن زياد أتي برأس الحسين بن عليّ ، فجعل في طست ، فجعل ينكت وقال في حسنه شيئا « 1 » . وهذا كما ترى لا يدلّ على انحصار الفعل بابن زياد ، وعدم صدوره عن
هامش
( 1 ) - صحيح البخاريّ 5 / 33 .