فقالوا : نعم يا أخا العرب : بقي بطل مطروح حول المسنّاة - وحوله جثّتان - وكلّما حملنا منه جانبا سقط الآخر ، لكثرة ضرب السّيوف ، وطعن الرّماح ، ورشق السّهام .
فقال : امضوا بنا إليه ، فمضينا إليه ، فلمّا رآه انكبّ عليه يقبّله ، ويقول : « على الدّنيا بعدك العفا - يا قمر بني هاشم - وعليك منّي السّلام من شهيد محتسب ورحمة اللّه وبركاته » .
ثمّ أمرهم أن يشقّوا له ضريحا ، فأنزله فيه وحده ، ولم يشرك معه أحدا . وأشرج عليه اللّبن ، ثمّ أمرهم بدفن الجثّتين حوله ، ففعلوا .
ثمّ مضى الأعرابيّ إلى جواده ، فداروا حوله ، وسألوه عن نفسه ، وعن تلك الأجساد الزّواكي . فقال لهم : أمّا ضريح الحسين عليه السّلام فقد علمتموه . وأمّا الحفيرة الأولى ، ففيها أهل بيته ، والأقرب إليه منهم ولده عليّ الأكبر . وأمّا الحفيرة الثّانية ، ففيها أصحابه .
وأمّا القبر المنفرد ، ممّا يلي الرّأس الشّريف فهو لحامل راية الحسين حبيب بن مظاهر الأسديّ . وأمّا البطل المطروح حول المسنّاة فهو العبّاس بن عليّ بن أبي طالب عليه السّلام . وأمّا الجثّتان فهما أولاد أمير المؤمنين عليه السّلام . فإذا سألكم سائل بعدي فأعلموا بذلك .
فقالوا له : يا أخا العرب ، نسألك بحقّ الجسد الّذي واريته بنفسك ولم تشرك معك أحدا منّا : من أنت ؟
فبكى بكاء شديدا ، وقال : أنا إمامكم عليّ بن الحسين . فقالوا : أنت عليّ بن الحسين ؟ قال نعم . ثمّ غاب عن أبصارهم .
بحر العلوم ، مقتل الحسين عليه السّلام ، / 466 - 470
وخلف تلك الجثث الطّاهرة ثلاثة أيّام ( وقد أقام ثلاثا غير مقبور ) قال : وكان إلى جنب العلقميّ طائفة من بني أسد ، فتمشّت نساء تلك الطّائفة إلى المعركة ، فرأوا أولاد الرّسول ، وأفلاذ حشاشته الزّهراء البتول ، وأولاد عليّ ، فحل الفحول ، وجثث أنصارهم من تلك الأصحار ، تشخب الدّماء من جراحاتهم ، كأنّهم قتلوا في تلك السّاعة ، فتداخل النّساء من ذلك تمام العجب .
فابتدرن إلى أهلهنّ وقلن لأزواجهنّ ما شاهدن ، ثمّ قلن لهم : بماذا تعتذرون من رسول اللّه ، وأمير المؤمنين ، وفاطمة الزّهراء إذا أوردتم عليهم حيث أنّكم لم تنصروا
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 491
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٤٩١